معهد ليفانت للدراسات

الدستور الأردني .. مهام مرحلية وانعكاس للتحولات الاقليمية

الدستور الأردني .. مهام مرحلية وانعكاس للتحولات الاقليمية
فبراير 17
01:09 2015

من "القانون الأساسي" الذي ظهرت على أساسه إمارة شرقي الأردن، وصولاً إلى الدستور الأردني وتعديلاته لعام 2011؛ فإن المملكة الأردنية الهاشمية تبدو في موقع حرج داخل بلاد الشام عموما، وربما على عكس جارتها سورية فإن دستورها لم يكن محاول للبحث عن "شرعية سياسية"، بل محاولة للتجاوب مع الظروف الإقليمية، فأول حكومة لها (11نيسان1921) لم تكن تحتاج إلى دستور، وكانت كافة السلطات بيد مؤسس الإمارة الأمير عبد الله بن الحسين، وهذه القاعدة ستحكم سياق الحياة الدستورية الأردنية، فالشرعية كانت مكفولة بحكم التوافقات التي قام بها الأمير عبد الله، بينما جاءت كافة الوثائق اللاحقة من أجل بناء الدولة، وهو ما يفسر طبيعة أول تشريع أردني وسمي "القانون الأساسي" (1928)، لكن هذه الحالة الدستورية التي أسست فعلياً للملكة الأردنية قامت على "قاعدتين إقليميتين" سابقتين:

إعادة رسم المنطقة في معاهدة سان ريمو (1920)، فبعدها بثلاث أعوام ومع إيجاد وحدات سياسية جديدة، ظهر أول مجلس شورى في الأردن (1923)، فالخطوة الأولى للحياة الدستورية ظهرت منسجمة مع التحولات الإقليمية، وهذا الأمر معاكس لدول المنطقة مثل سورية ولبنان، لأن صراعاً سياسياً وعسكرياً حكم البلدين قبل أي تأسيس للحياة الدستورية.

تنظيم الوضع الإقليمي بين قوى الانتداب والدول الناشئة، ففي عام 1928 تم توقيع المعاهدة الأردنية – البريطانية، وظهر معها "القانون الأساسي" الذي كان دستوراً عن طريق "المنحة" (أصدره الأمير) بطريقة العقد، ورغم رفض المعاهدة لاحقاً لكن هذا الأمر لم يغير من السياق العام، فالدستور اللاحق لهذا القانون لم يصدر إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتوقيع  معاهدة صداقة بين الأردن وبريطانيا (1946)، فظهر الدستور الأردني الجديد (15/5/1946) الدستور الأردني معتمداً التفصيلات الأساسية التي تميز الدستور مثل مبدأ الاستقلال ونظام الحكم والأخذ بمبدأ فصل السلطات.

وحتى عام 1952 بقي الدستور عن طريق "المنحة"، بينما يمكن اعتبار تاريخ  8/1/1952 عهداً جديداً مع صدور دستور الأردن بطريقة العقد.  

تحول إقليمي جديد

جاء دستور 1952 لينسجم مع تحول إقليمي واضح أثّر على مجمل بلاد الشام، فإذا كان ظهور "إسرائيل" غير من طبيعة الأنظمة في سورية ومصر، فإنه أدى في الأردن لوضع دستور ليستوعب الواقع الجديد، فالبيئة التي حكمت الحالة التشريعية تأثرت بثلاث تغييرات جوهرية:

ظهور "إسرائيل" الذي فرض على الأردن استحقاقات جديدة في علاقاتها الإقليمية، كما أوجب على الدولة تقوية بنيتها التشريعية بما يضمن مؤسسات قادرة على التعامل مع حالة "الحرب الإقليمية" التي ظهرت في بلاد الشام منذ عام 1948.

اللجوء الفلسطيني إلى الأردن الذي أوجد بيئة سياسية مختلفة، فلم تعد الدولة قائمة على التوافقات القديمة فقط، بل أصبحت مضطرة للتعامل مع بنى جزبية وهو ما جعل الدستور يظهر عن طريق "العقد" عبر المجالس التشريعية، وليس منحة من "الملك" على طريقة القرون الوسطى.

تم توحيد الضفتين الشرقية والغربية عام 1950م، وهو ليس توحيداً جغرافياً وسكانياً فقط، بل أيضاً على مستوى التشريع لأن الأراضي الفلسطينية كانت تخضع لعوامل سياسية مختلفة، ومسألة التوافق التي أوجدها الملك عبد الله الأول لم تعد مقبولة بالنسبة لمجموع السكان الذين أصبحوا ضمن نطاق المواطنة الأردنية.

استمر العمل بدستور عام 1952 رغم العديد من الظروف التي طالت المنطقة، وحتى مع قرار الملك الأردني فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 1988 لم يحمل معه أي محاولات لتعديل الدستور، فطوال ستة عقود بقي السياق التشريعي للأردن ثابتاً لأسباب مختلفة أهمها:

أحداث عام 1957 التي أنهى بها الملك الراحل الحسين بن طلال "الحياة الحزبية"، وبالتالي قام بفصل الدستور ببنوده التشريعية عن مسار الحياة السياسية التي باتت معطلة، فانتخابات 1/7/1956م النيابية أدت لمجلس أكثر من نصف أعضائه من أحزاب عقائدية معارضة، وتشكلت حكومة حزبية برئاسة سليمان النابلسي وهو ما أدى لصدام قوي ما بين التشكيل الأساسي للملكة والقائمة أساساً على توافقات قديمة، وبين السلطة الجديدة، ولا يمكن فصل قبول الملك بهذه الحكومة دون الأخذ بعين الاعتبار الواقع الإقليمي ما بين مصر وسوريا وأحداث العدوان الثلاثي في نفس العام.

حرب عام 1967 التي زادت من العبء الأردني، وفي المقابل عمقت مركزية السلطة التنفيذية في مواجهة أي تحول يمكن أن يفرض تعديلات دستورية، وجاءت بعد ذلك أحداث أيلول1970 بين منظمة التحرير والجيش الأردني التي فرضت حالة استثنائية في دولة اندمج الفلسطينيون فيها بشكل عميق.

عمد الملك الراحل الحسين بن طلال إلى اعتماد العديد من المشاريع الإقليمية التي كانت محاولة لتأمين توازن الأردن، سواء عبر محاولة الاتحاد مع المملكة العراقية، لكن هذا المشروع انهار الانقلاب في العراق (1958)، والخط الثاني في مشاريعه كان باتجاه "إسرائيل" كان أهمها مشروع النقاط الست (1969) الذي رفضته رئيسة الوزراء آنذاك غولدا مائير، ويمكن فهم هذا الحراك الإقليمي المباشر على أنه تعزيز بلاستقرار في ظل تأزم إقليمي دائم، وهو ما ساعد على بقاء الإطار التشريعي دون تبديل.

تعديل 2011

جاءت التعديلات على دستور 1952 لاستيعاب حالة إقليمية أيضاً، حيث شهد الأردن تظاهرات متأثراً بامتداد "الربيع العربي"، في وقت كانت المنطقة تدخل في أزمة تطورت بشكل سريع، وبغض النظر عن نوعية "الدستور الجديد" إلا أنه وضع الأردن ضمن مرحلة مختلفة، فهو دستور يحاول تجاوز التحولات الإقليمية إن صح التعبير، فهو ركز في التعديلات على مسائل حقوق المواطنة بالدرجة الأولى، دافعاً بالبيئة التشريعة نحو موقع غادرته منذ عام 1957، فالدستور جاء ليعيد صياغة الموقع الإقليمي للأردن، وليستطيع استيعاب المهام الجديدة للدولة والمجتمع.

تختلف مقاصد البيئة التشريعية الأردنية عن باقي بلاد الشام، فدساتيرها في النهاية لم تكن سوى انعكاساً للتحولات الإقليمية، ولكنها في نفس الوقت أمنت استقرار لدولة كانت محاصرة بالأزمات، ومتأثرة بكل التحولات التي تطال بلاد الشام.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات 

 

تقارير ذات صلة