معهد ليفانت للدراسات

الخزينة العامة السورية خلال الأزمة

مارس 04
21:23 2015

كان للحرب المستمرة في سورية دوراً حاسماً في تقليص إيرادات الحكومة السورية والحد من الإنفاق العام وضغط النفقات وتفصيل موازنة سوريّة على القدر المتوقع من الإيرادات والنفقات. فتضرر الاقتصاد وما رافق الأحداث من عقوبات غربية وعربية كبّلت الاقتصاد السوري كثيراً من الخسائر ما أثر بشكل كبير في واردات الحكومة والخزينة العامة.

ومع استمرار الصراع منذ 2011 بقيت مسألة النفقات والواردات الهاجس الأكبر للحكومة لجهة الحد من الإنفاق عدا تلك التي تصرف على المشاريع الضرورية والتحسينية في إعادة إصلاح المشافي والمدارس وخطط الإيواء وعلى الرواتب والأجور للعاملين الأساسيين، ومن جهة أخرى في الحد من الهدر وعدم التوسع في المشاريع ذات الطابع الإستثماري حيث استنزاف الأموال.

ولتحقيق ذلك كان يدور حديث بصوت مرتفع في الأروقة الحكومية والاجتماعات حول تأمين البدائل والبحث عن حلول لسد الثغرات وتأمين مصاريف لازمة لاستمرار العمل في مختلف القطاعات.. فمن المعروف في الأدبيات الاقتصادية العامة أن ما يأتي الحكومة من إيرادات يجري توظيفها وإنفاقها في قطاعات التنمية والتوسع في الأنشطة التطويرية للمؤسسات وتحسين الخدمات.

يقول وزير المالية إسماعيل إسماعيل: أن إيرادات الحكومة انخفضت بشكل كبير وأصبحت تقتصر على الضرائب والرسوم وبعض العوائد من الشركات العامة الرابحة وهي قليلة وهذا الأمر له انعكاسات على الجميع، وفي المقابل هنالك أعباء مالية ضخمة على الحكومة ففي كل يوم يصرف 2.6 مليار ليرة على قطاع الكهرباء من دون الأضرار التي يتعرض لها بشكل مستمر.

وإلى جانب المساعدات والخط الائتماني الإيراني الذي قدم محروقات ومواد غذائية جرى البحث فعلاً عن مصادر تمويلية لإيجاد موارد وأصبح هذا هو الشغل الشاغل للجميع، لكن كان هناك مشكلة واجهت المعنيين تتمثل في إيجاد آليات لتأمين الموارد هذه وهل تتناسب مع الوضع الحالي للأزمة؟ فجرى حديث عن فرض ضرائب جديدة وتعزيز ضرائب على مطارح معينة، وكان هذا التوجه "أهم مشروع بالعمل الحكومي" ويتمثل بالاهتمام بتوسيع المطرح الضريبي والإيرادات الضريبية وليس الاقتصار على ترشيد الانفاق، فالسياسة التي ترتكز على ترشيد الانفاق دون تعزيز الإيرادات سياسة لها حدود، وهذه مقاربة تبنتها الحكومة وفقا لهيئة التخطيط والتعاون الدولي.‏

وأن الحكومة ستركز في المرحلة القادمة على سبل العيش وتحسين المستوى المعيشي، وأيضاً على التوازي تقوم بتطوير مقاربتها لتعزيز الإيرادات من ذوي الدخل المرتفع من خلال تطوير المنظومة الضريبية إن كان على مستوى ضريبة الأرباح أو ضريبة الدخل المقطوع. وكل هذا من أجل الطبقات فوق المتوسطة والمرتفعة الدخل لتساهم بدورها ومن خلال الإيرادات الضريبية من تمكين الحكومة من الاستمرار بسياساتها الاجتماعية، وإعادة تهيئة البنى التحتية والصحية والتعليمية.‏

فمعدل ضريبة الدخل الشخصي ارتفعت من 19.5% العام 2006 إلى 22% في 2014، عكس معدلات ضرائب الشركات التي بلغت 22% العام الماضي في حين كانت 35% العام 2006 وفقاً لموقع  Trading Economics ومعدل الشركات هذا يعد الأدنى عالمياً ويشبه إلى حد ما اقتصادات روسيا وتركيا والمملكة المتحدة وكازاخستان.  

وبالنسبة للضرائب أيضاً فإنه وفقاً للمعلومات المتوفرة يعد عام 2014 الأفضل لجهة الجباية والإقبال على الدفع بسبب "تمتين العلاقة الضريبية مع المواطنين" فمحافظة ريف دمشق وحدها ووفق ما أعلنته ماليتها ساهمت بـ 12 مليار ليرة العام 2014 كجبايات، وبحسب المالية فإن زيادة إيرادات ماليات دوما والمليحة وداريا وبقية الماليات أفرز زيادة في إيرادات مالية ريف دمشق عموماً، أما من حيث الزيادة، فإن إيرادات مالية ريف دمشق زادت على 15% كنسبة مقارنة بما حققته خلال العام الماضي، وأشارت مصادر مالية ريف دمشق إلى "أن المكلفين باتوا أكثر تفاعلاً مع الإجراءات التي تتخذها الإدارة الضريبية وباتوا أكثر إقبالاً على تسديد الذمم والضرائب المستحقة عليهم لكون كثير من الإجراءات ربطت بتسديد الضريبة مثل الحصول على سجل تجاري أو بيع بيت وشراء بيت، وآخرها الحصول على براءة ذمة من مديرية المالية أو مديرية المال المختصة بمكان نشاط المكلف المحقق للضريبة".

وفي جانب آخر تم فرض رسوم جمركية على البضائع الواردة من بلدان الجوار وخاصة الأردن ولبنان وبضائع الترانزيت الداخلة من لبنان كالأغنام والخضروات إلى دول الخليج العربي في وقت كان ينظر إلى هذه الإيرادات على أنها ثانوية قبل الأزمة عندما كان هناك فعاليات حاملة للاقتصاد كالصادرات والنفط والسياحة وتحويلات العمالة في الخارج، فحلت أولاً وباتت يعوّل عليها كثيراً إلى جانب ما سيؤخذ من إجراءات جديدة كرفع الدعم عن السلع الأساسية.

ولو نظرنا باتجاه مغاير لمحور الحكومة الذي تعمل عليه لتأمين الموارد وخاصة في مجالات الرسوم والضرائب لوجدنا أن هناك مطارح أخرى كان عين الحكومة عليها لتحصيل الموارد فرفعت أسعارها كالمواد التموينية والمحروقات والخبز وهذه كلها كانت "خطوط حمراء" ممنوع الاقتراب أجبرت الأزمة الحكومة على تخطيها منها فأصبح  السوري يتندّر على الخبز والمازوت المدعومين. وكل هذا كان سبيلاً لتأمين إيرادات في ظل الأزمة وللحد من النفقات وفرض تقشف إجباري، لكن من تحمل الشق الأكبر من التكلفة؟ المواطن فقط وهذا ما تعززه الأرقام الضريبية الشخصية للعام 2014.

وفي نفس السياق، كان هناك اقتراح بفرض ضريبة على أصحاب الثروات تسمى "ضريبة الحرب" ورى أحد الخبراء الاقتصاديين أن المشكلات التي رافقت تداعيات الأزمة السورية ليست في الأزمة بحد ذاتها، لكن في امتدادها عاماً إضافياً، ما عقّد المسائل المعيشية للمواطن، وعلى رأسها ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم.

ونوّه بأن 2014 كان عاماً إضافياً لشح موارد الخزينة وتراكم عجز الميزانية، ما أدى إلى زيادة التقنين من الجهات الحكومية للسلع الأساسية، وهي ما تعد بمجملها عوامل موضوعية ساهمت في إطالة أمد الأزمة، إضافة للبطء وعدم الدقة في إدارة الأزمة.

وأوضح أن عدم العلم بما لدى الحكومة و”مصرف سورية المركزي” من إمكانيات ومخزون، وما هو حجم العبء مقارنة بالإمكانات، “يجعلنا غير قادرين على اعتبار وجود تقصير لديهم في إدارة المسائل المعيشية للمواطن، لكن ما هو أكيد وجود سوء إدارة في التوزيع للمشتقات النفطية والسلع التموينية، وعدم وصولها للمواطن، إضافة لوجود حلقة فساد واضحة لا يمكن إنكارها".

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة