معهد ليفانت للدراسات

الحكومة السورية والسوريين ..الثقة المفقودة

الحكومة السورية والسوريين ..الثقة المفقودة
أكتوبر 16
18:43 2015

يعدّ مصدر الشرعية لأي سلطة هي قبول المحكومين فيها ويعد عامل الثقة أهم العوامل لنجاح السلطات مع من تمثّلهم وهو ما باتت تفتقده الحكومات السورية منذ بدأ الأزمة في سورية في 2011 (على افتراض أنها كانت ممثل حقيقي قبل ذلك ) , وازدادت أزمة الثقة تواتراً في حكومة وائل الحلقي المستمرة منذ آب 2012 .

انهكت الحرب السورية والأزمات الوليدة عنها كلّ مجالات الحياة في سورية وشوّهت للسوريين شبكة علاقاتهم الاجتماعية فيما بينهم , وعلاقتهم بالحكومة والمؤسسات وهي العلاقة المشوبة بالمشاكل أصلاً , لتأتي الحرب والتعامل الحكومي معها ويزيح السوريين بعيداً عن حكومتهم خالقاً أزمات من الثقة والشراكة بين الحكومة والسوريين .

يدركُ المتابع للشأن السوري أن جهوداً جبارة تبذلها الادارات العامة والحكومة بمختلف مفاصلها لتحافظ على شكل الحياة في سورية وتبقي السوريين منتمين لمؤسساتهم العامة والخدمات الحصرية التي تقدمها الحكومة ولكنها تفشل في بناء الجسور وتشوّه البيانات والتصريحات المتناقضة والصادرة عن مسؤوليها انجازات حقيقية في ظل فقدان الدولة سيطرتها على الكثير من المناطق والموارد النفطية وانخفاض معدلات الانتاج الصناعي والزراعي وغياب دور السياحة بالطبع .

لم يعد أيّ ارتفاع لأسعار المواد او الخدمات يغيّر شيئاً لدى السوريين , فقد اعتادوا على زيادات دورية في الاسعار بعد كل زيادة في مرتبات الموظفين وأفراد القوات المسلحة  يترافق ذلك مع ارتفاع هائل في معدلات البطالة وانخفاض متنامي في فرص العمل .

يعيش السوريون اليوم على استهلاك ما ادخروه في سنوات ما قبل الأزمة ومنهم من يعيش على ايجار عقارات أو يعمل عدّة وظائف أو ينتظر التحويلات المالية من الخارج , آلاف السوريون يصطفون مطلع كلّ شهر أمام شركات الصرافة والتحويل لاستلام حوالاتٍ مالية من أقربائهم في دول الخليج أو البلاد الأخرى , منهم من بات ذلك مورده الوحيد في ظل فقدان الآلاف لفرص عملهم ومورد رزقهم ماترافق مع الارتفاع الجنوني للأسعار والانهيار المتواصل لليرة السورية أمام أسعار الصرف حتى فقدت قيمتها لسبع مرات تقريباً .

قلّصت الحرب فرص العمل كثيراً وأغلقت المدن الصناعية وعزف الآلاف عن العمل في الزراعة نتيجة عدم الأمان وصعوبة التصريف في حال كان الانتاج في الارياف البعيدة , ترك الكثيرون التجارة نتيجة للعقوبات الاقتصادية , تخلّى عديدٌ من الصناعيين عن معاملهم بعد ارتفاع أسعار المواد وانقطاع استيراد بعض المواد وفقدان المحروقات واضطرارهم لدفع الخوّات لأطراف النزاع في مختلف المناطق .

يدركُ السوريون أن الأزمة هي في حكومتهم قبل كلّ شيء ويصرّ الكثيرون أن الحكومة لاتتعامل مع الاحداث كأزمة حاضرة بل تتجاهل ذلك في كل خططها وتصريحاتها , ما يثير استياء السوريين وأكبر نافذة لالتماس ذلك آلاف المنشورات اليومية على وسائل التواصل الاجتماعي والتي باتت المتنفس الوحيد للسوريين في ظل صحافة داخلية مثقلة بإرث التقليد والتكرار .

لم تساعد كل الوسائل الاعلامية قبل وأثناء الأزمة على بناء الثقة بل زادت الشرخ بين السوريين وحكومتهم فقلّما تشاهد مادةً صحفيةً حرّة ونادراً ما تتابع تحقيقاً استقصائياً حقيقياً منشوراً واذا تقدّم صحفي ببرنامج جريء ظهر فيه مسؤولٌ حكومي غير مسؤول أصلاً أو ظهر مسؤول يدفع القضايا باتجاه الجهات الأخرى متجاهلاً مسؤولياته  .

أيضاً وبشكل متوازي لم تفلح محاولات الحكومة في الاقتراب حقيقة من السوريين فتحولت صفحات الوزارات الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي لتتلقى تهكّمات السوريين مع غياب أي ثقة أو مصداقية لتصريخات متناقضة تطلقها الحكومة بين حين وآخر .

يرى متابعون أن الأزمة ليست في عمل الحكومة بحد ذاته فهناك عملٌ جبارٌ تقوم به الحكومة بكل مؤسساتها ولكن المشكلة القديمة الجديدة تكمن في مد جسور التواصل الحقيقي لبناء الشراكة , فالشفافية غائبة في عمل الحكومة والفساد المنتشر يغطي كل الانجازات وخطط العمل الغير منفذة والمشاريع المؤجلة مواضع تساؤلات لم يجب عنها أحدٌ بعد .

فكيف لمشاريع تفتتح عدّة مرات وكيف لأحجار أساس يعاد صرف الملايين على وضعها أن تقنع السوريين بأداء حكومي مميز يضيف متابعون يرصدون فعاليات شكلية وافتتاحات بروتوكولية ومعارض تكلف الملايين دون أي نتيجة ملموسة .

أزمة الثقة لها عدة جوانب من أهمها انتشار الفساد المالي والاداري بشكل كبير في كل مؤسسات الدولة دون أي خطوات فعلية رادعة لرئاسة الحكومة تجاه ذلك مع غياب الرقابة وتواطئها في كثير من الاحيان مع شبكات التجار والمحتكرين .

تعاني مؤسسات ووزارات الدولة من غياب التقييم المستمر وتعاني من التعيينات العشوائية الغير مستندة على الكفاءة حيث تلعب التنويعات الطائفية والمحاصصة المناطقية دوراً كبيراً في هذه التعيينات على مختلف المستويات .
 

في ظل الأزمة كان مطلوباً وما يزال من الحكومة ومؤسساتها التقرّب أكثر من هموم ومشاكل المواطنين ووضع الخطط الاقتصادية المستندة على الواقع وليست على البيانات الكاذبة والتي دهورت الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمختلف الطبقات في سورية , فقلّما تجد فئة راضية عن الأداء الحكومي نتيجة انفصام عن الواقع كما يسميه متابعون تمارسه الحكومة في قراراتها وخاصة المتعلق منها في الاقتصاد و الخدمات المختلفة ومايخص الاستيراد والتعامل النقدي .

لاتقتصر أزمة الثقة على الاداء الاقتصادي للحكومة ولكن ذلك ينسحب على كل المجلات وفي مقدمتها المراكز الثقافية والتي أصبح المشهد الاعتيادي فيها مدرجٌ يتسع للمئات يقام فيه فعاليات وأمسيات قد لايتجاوز حضورها أصابع اليدين مع صرف أموال على مهرجانات وفعاليات محدودة الأثر .

قرارات في مختلف المجالات كانت كارثية وفي مقدمتها اغلاق المراكز الثقافية السورية في الخارج والتي باتت نافذة السوريين الوحيدة في دول العالم كمثال ليس إلا, قرارات وتعليمات بالجملة تصدرها مختلف الوزارات وربما بعد أشهر تتراجع عنها متناسية أن تكون على قدر الثقة وفي مستوى التحدي المطلوب في هذه الازمات .


 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة