معهد ليفانت للدراسات

الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية ..تهدئة؟

الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية ..تهدئة؟
أكتوبر 19
16:08 2017

تتوالى التصريحات الإيجابية التي تحمل في طياتها تهدئة بين كل من الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية، التي تسيطر على مناطق من شمال سورية على الحدود مع تركيا، فيما يبدو أنه اتجاه نحو حل بطريقة غير عنفية , وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم افتتح هذه التصريحات بقوله في مقابلة ببداية هذا الشهر، أن الأكراد في سوريا يريدون شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية في إطار حدود الجمهورية، وهذا أمر قابل للتفاوض والحوار.
 

وربط المعلم التفاوض بانتهاء الحرب على تنظيم "داعش"، قائلا أنه "عند الانتهاء من هزيمة تنظيم "داعش"، سيتم التحاور للوصول إلى صيغة تفاهم مستقبلا" , ردت عليه الإدارة الذاتية الكردية بترحيب، مبدية استعدادًا للتفاوض مع الحكومة السورية، واعتبرت الإدارة الذاتية أن تصريح وزير الخارجية وليد المعلم "خطوة إيجابية"، وذلك في بيان لها نقلته وسائل الاعلام.
 

وأشارت الإدراة الذاتية في بيانها إلى أن "الحل السياسي لا يزال يفرض نفسه كحل وحيد للأزمة السورية كونه يضع حدًا للمأساة السورية، ويفسح المجال أمام كافة مكونات المجتمع لتقوم بدورها المطلوب في سورية المستقبل على أسس ديمقراطية", وسابقا قبل التدخل الروسي والامريكي، الحكومة السورية لم تحاول استعداء القوات الكردية، بل ظهرت تقارير اعلامية تفيد بأن بعض الأسلحة التي قاتل بها الأكراد سابقا تنظيم "داعش" هي سورية، كما غضت النظر عن سيطرة الأكراد على عفرين ومناطق شمال الحسكة، ولم يبدأ التوتر بين الجانبين حتى ظهرت التصريحات الداعية للفدرلة والانفصال من بعض قادة الأحزاب الكردية.
 

وجاءت التصريحات الايجابية بعد فترة طويلة من التوتر بين الحكومة والإدارة الذاتية، وصلت حد قيام طائرات بقصف قوات كردية في شمال دير الزور، قالت قوات سورية الديموقراطية أنها تابعة لروسيا وللجيش السوري، وهذا ما نفته روسيا ولكن لم يصدر أي تصريح عن الجيش السوري , كما سبق القصف على القوات الكردية تصريح للمستشارة الرئاسية السورية بثينة شعبان قالت فيه بما يشبه التهديد أن الجيش السوري سيقاتل أي تنظيم في سبيل تحرير البلاد، بما فيها المدعومة من الولايات المتحدة الامريكية، مشيرة بشكل غير مباشر للقوات الكردية.

 

وكان نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد وصف قيام الإدارة الذاتية بإجراء انتخابات لتشكيل مجالس محلية بـ "المزحة"، محذرا بأن "الحكومة السورية لن تسمح لهم (الإدارة الذاتية) بتهديد وحدة سورية , وذلك بعد اصرار الإدارة الذاتية على إجراء الانتخابات التي تنظر إليها دمشق كبداية تقسيم وانفصال , فيما تأتي حاليا التصريحات الهادئة بين الجانبين في ظل وضع كردي إقليمي متأزم، فرضه قيام إقليم كردستان العراق بإجراء استفتاء للانفصال عن العراق، وما تبعه من تداعيات إقليمية، تجلت بداية بإجراء كل من تركيا وإيران لمناورات عسكرية قريبة من الإقليم، ثم قيام مناوشات بين الجيش العراقي والبيشمركة الكردية في مدينة طوزخوزماتو في إقليم كركوك العراقي.

 

ويعتبر دخول الجيش التركي باتجاه إدلب وفصلها عن ريف حلب، حصارا لمدينة عفرين التي تتبع للإدارة الذاتية الكردية، وذلك في مسع تركي لفصل المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سورية , وفي الوقت الحالي، تتلقى القوات الكردية في سورية , ممثلين بقوات سورية الديموقراطية، التي يشكل العنصر العربي جزءا كبيرا منها فيما قياداتها يتوزعها الأكراد، دعما علنيا واضحا من "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة، الذي تشكل طائراته غطاءا ناريا لعمليات هذه القوات في كل من الرقة وريف دير الزور حيث تتقدم هذه القوات وتشتبك مع "داعش".

 

وحاليا الإدارة الذاتية الكردية تسيطر على مناطق واسعة من محافظة الحسكة، بما فيها منطقة الرميلان النفطية، إضافة لمدينتي عين عرب التي حررتها القوات الكردية من "داعش"، ومدينة عفرين التي تعيش ما يشبه الحصار حاليا من القوات التركية، التي قامت في وقت سابق بعدة رميات مدفعية عليها، وكلاهما في ريف حلب، بالإضافة لسيطرتها على 85% من مدينة الرقة، بحسب تصريحات قيادات في "التحالف الدولي" , وفي سياق التوتر، الذي انخفض تدريجيا بعد التصريحات المتبادلة، برزت في الآونة الأخيرة مشكلة في محافظة الحسكة بسبب فرض قوات "الاسايش" التابعة للإدارة الذاتية مناهجها الكردية الخاصة بها على مدارس المحافظة، ما دفع بأهالي الطلاب في مدارس الحسكة لإخراج أبنائهم من هذه المدارس، وإرسالهم للمدارس الخاضعة لسيطرة الدولة السورية، حيث يدرس منهاج وزارة التربية السورية الرسمي.

 

وقامت قوات "الاسايش" بإغلاق العديد من المدارس بحجة عدم تدريسها المنهاج الجديد، خصوصا في حي غويران الذي تظاهر أهالي طلابه غير مرة ضد فرض مناهج كردية غير معترف فيها، ما أدى لازدحام كبير في المدارس التي تديرها الدولة السورية , وتعود المشكلة الكردية في سورية لأعوام سابقة، بالتحديد لعام 1962 حيث أعلنت الحكومة السورية برئاسة بشير العظمة حينها قيامها بإحصاء لعدد السكان، بحسب مرسوم رئاسي من الرئيس آنذاك ناظم القدسي، أسقطت بموجبه الجنسية عن الكثير من الأكراد السوريين.

 

الإحصاء قسم الأكراد في سورية إلى أكراد سوريين يتمتعون بالجنسية السورية، وأكراد سجلوا في الدولة على أنهم أجانب وجردوا من الجنسية مع بقاء أسمائهم مسجلة في السجلات الرسمية السورية، وقسم سمي بمكتومي القيد وهم من الذين جردوا من الجنسية وشطبوا من سجلات الدولة , ومرت المناطق التي يتواجد فيها الأكراد بأكثر من حدث أمني، أبرزها ما حدث عام 2004، في مباراة بين نادي الفتوة والجهاد، والتي نجم عنها اندلاع أعمال شغب، واجهتها الدولة السورية، واستمرت عدة أيام أدت لسقوط 13 ضحية، علما أن الأحزاب الكردية كانت قبل الحرب المندلعة منذ 2011، وما زالت ممنوعة من الترخيص في سورية.

 

وشهد عام 2011، بداية الحرب، صدور مرسوم جمهوري تم بموجبه إعادة الجنسية للعديد من الأكراد السوريين، المعروفين بالأجانب أو مكتومي القيد، حيث برزت مشكلة حينها وهي امتناع بعض الشباب الكردي من استكمال أوراق تجنيسه بسبب الخدمة الإلزامية، التي حلت عن طريق إعطاء الجنسية لهم وسوقهم للخدمة ومن ثم تسريحهم . 
 

يذكر أن حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، المعروف اختصارا بـ "PYD" كان عقد اجتماعا نهاية الشهر الماضي في مدينة الرميلان، غير فيه الكثير من قياداته، وانتخب مجلسا جديدا من 49 عضوا، وكان من أبرز الراحلين رئيسه السابق صالح مسلم، الذي كان الوحيد ممن رد على تصريحات وليد المعلم بالقول "إن التصريحات غير كافية".

ويتبع للإدارة الذاتية الكردية، التي يشكلها حزب الاتحاد الديموقراطي منذ عم 2014، جناح عسكري تحت اسم "وحدات حماية الشعب"، التي تشكل النواة الأساسية لقوات سوريا الديموقراطية حاليا، وقوات أشبه بالشرطة تحت اسم "الاسايش"، وتشمل ثلاث أقاليم هي عفرين وعين العرب والجزيرة اي مناطق شمال الحسكة.
 

إلى ذلك، ينظر القادة الأكراد في سورية لتصريح وليد المعلم بإيجابية، كونه مد لهم يد هم بأمس الحاجة إليها، في ظل استعداء تركي ايراني عراقي واضح، فجاء تصريح المعلم كأول حديث إيجابي لمسؤول من دول المنطقة، يمد فيه يدا باتجاههم، عل هذه التصريحات تترجم على أرض الواقع، وتجنب السكان في شمال سورية حربا أخرى محتملة بعد تخلصهم من تنظيم الدولة .

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات 

تقارير ذات صلة