معهد ليفانت للدراسات

“الحريديم” و مستقبل التركيبة السكانية في إسرائيل

“الحريديم” و مستقبل التركيبة السكانية في إسرائيل
أكتوبر 14
10:06 2017

ظهرت معطيات جديدة حول توقعات التركيبة السكانية المستقبلية لإسرائيل، في اجتماع للمجلس الوطني للشؤون الاجتماعية الاقتصادية الإسرائيلي.. التقديرات الجديدة تستند إلى معطيات العام 2015، وتبني النسب المئوية على أساس 25 عاماً، بمعنى حتى العام 2040.
 

التقدير الأول أن عدد السكان سيرتفع من 8.45 مليون نسمة قبل عامين، إلى 13.2 مليون نسمة في العام 2040. وهذا يضم كما ذكر حوالي 460 ألف مقدسي، ولربما ما سيكون 30 ألف سوري في مرتفعات الجولان، ويشكل زيادة بنسبة 56%.
 

لكن هذه الزيادة العامة ليست هي المسألة التي ظهرت بشكل واضح في التقرير، وإنما التغيرات الديمغرافية التي تشغل المؤسسة الإسرائيلية منذ بدايات سنوات الألفين، إذ أن المتدينين المتزمتين "الحريديم" سيتكاثرون خلال 25 عاماً، بنسبة 77%، مقابل 35% لدى اليهود العلمانيين.
 

وتبلغ نسبة تكاثر "الحريديم" حوالي 3.8%، وبعدهم نسبة التيار الديني الصهيوني 2.8%، أما نسبة تكاثر اليهود العلمانيين فهي في حدود 1.4%، بينما نسبة تكاثر العرب تراجعت في السنوات الأخيرة إلى 2.6%، بعد أن كانت في سنوات سابقة أكثر من 3.4%.
 

التقرير لا يتطرق إلى نسبة تكاثر المتدينين من التيار الديني الصهيوني، لأنهم ليسوا من ذوي المتطلبات الخاصة على مستوى الحياة العامة، بينما "الحريديم" يطلبون لأنفسهم تجمعات سكنية خاصة بهم، والأفضل بلدات كاملة، أو أحياء ومناطق سكنية في المدن الكبرى، منعاً للاختلاط مع الجمهور العلماني.
 

اللافت في التقرير المذكور أنه من التقارير الرسمية النادرة جداً، التي رفعت نسبة "الحريديم" من إجمالي السكان، فهذا التقرير يقول إنه في العام 2015 كانت نسبتهم 11.3%، بينما أبحاث أخرى تحدثت عن أكثر من 13%، في حين أن التقارير الرسمية لا تتحدث عن أكثر من 10%. ويتوقع التقرير أن ترتفع نسبة "الحريديم" من إجمالي السكان في العام 2040، إلى 19.9%. وفي حساب آخر، فإن هذا يعني أنهم سيكونون أكثر من 25% من إجمالي اليهود الإسرائيليين.
 

وهذا التقدير أقل مما ورد في بحث أجري في جامعة حيفا ونشر قبل 7 سنوات، فذاك التقرير توقع أن تكون نسبة "الحريديم" والمتدينين من التيار الديني الصهيوني في العام 2030 في حدود 51% من إجمالي السكان، ما يعني 65% من إجمالي اليهود، بينما هذا التقرير يتوقع ارتفاع نسبة الحريديم في العام 2030 إلى 16% من إجمالي السكان، في حين أن نسبة التيار الديني الصهيوني تكون عادة أكثر بقليل من هذه النسبة.
 

وينبع الهاجس من ارتفاع نسبة الحريديم أساساً، من كونهم مجتمعاً منغلقاً على ذاته، لا ينخرط في الحياة العامة بالقدر الكافي، ولا ينخرط الرجال فيه في سوق العمل بنسبة كافية، كما أنهم يعيشون حياة تقشفية، واستهلاكهم أساسي غير عصري، وهم يمتنعون عن الانخراط في الخدمة العسكرية الإلزامية، أما أتباع التيار الديني الصهيوني فهم منخرطون في الحياة العامة، ولا يوجد لديهم هاجس اقتصادي أو عسكري، لكنهم يزدادون تشدداً دينياً، وباتوا يتلاقون أكثر من ذي قبل مع جمهور "الحريديم" في الشؤون الدينية، ما يزيد من مخاطر الإكراه الديني أكثر مما هو قائم حالياً.
 

وكان بحث أكاديمي صدر في ربيع العام الجاري، للبروفسور المختص بالبيئة والديمغرافية ألون طال، حذر من نسب التكاثر السكاني العالية، وبشكل خاص لدى جمهور المتدينين المتزمتين "الحريديم"، والمتدينين بشكل عام. وقال إن عدد سكان إسرائيل سيصل في العام 2050 إلى 23 مليوناً، ومن المؤكد هنا أن الحديث يجري عن فلسطين التاريخية، ويضيف البروفسور طال "فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإنني أذكر عنواناً صارخاً في صحيفة في العام 1985 بأنه بعد عقد من الزمن، ستكون هنا أغلبية عربية. ومنذ ذلك الحين حصل الكثير من الأمور، مثل تشجيع الولادة وموجات الهجرة إلى إسرائيل. وهذا ما أدى إلى تغيير في المعادلات الديمغرافية بين العرب واليهود، لصالح اليهود. ولكن لدى الجمهور العربي توجد سنوياً 40 ألف ولادة، وهذا عدد ثابت منذ 20 عاماً. وبين اليهود فإن عدد الولادات يتراوح ما بين 100 ألف إلى 120 ألفاً. وعلى الرغم من هذا، يوجد سياسيون يفضلون تشويه الصورة، ليدعوا أن التهديد الديمغرافي من العرب ما يزال قائماً. ولهذا فإن مهمتنا في الأكاديميا أن نقول الحقيقة"، وهو يقصد أن "التهديد" لم يعد من العرب.
 

كل الصحافة الاقتصادية التي نشرت أخباراً عن تقرير المجلس الوطني للشؤون الاجتماعية الاقتصادية، ركزت بشكل خاص على تكاثر الحريديم، لأن العنوان المركزي للبحث كان مشكلة الاسكان، والتوزيع الجغرافي للسكان في جميع أنحاء البلاد، وحسب تقديرات التقرير، فإن قرابة 5 ملايين، بمعنى قرابة 38% من السكان، ستعيش في منطقة تل أبيب الكبرى، بما فيها منطقة الوسط. ويضاف لهم أكثر من 12% في منطقة القدس المحتلة، وأكثر من 11.5% في منطقة حيفا. وهذا يقول أن أكثر من نسبة 61% ستعيش في هذه المناطق، بينما منطقتا الجليل شمالاً والنقب جنوباً ستبقيان أقل من حيث الكثافة، وهذا ما يؤكد فشل مخططات توزيع السكان، علماً أن هذه المعطيات تقول إن أكثر من 65% من اليهود يعيشون في وسط البلاد، في حيفا الساحلية، مروراً بتل أبيب، وحتى القدس.
 

ويقول التقرير إن نسبة اليهود من غير "الحريديم"، بمعنى العلمانيين، ومعهم التيار الديني الصهيوني، ستتراجع في منطقة تل أبيب الكبرى ووسط البلاد، من 85% في العام 2015، إلى 76% في العام 2040، بمعنى أن تلك المنطقة ستواصل كونها معقل العلمانيين، إلا أن نسبتهم ستنخفض إلى أكثر بقليل من 50%، بعد احتساب المتدينين الصهاينة.
 

ويضع التقرير تصورات لإقامة تجمعات سكانية للحريديم في النقب، إما في مستوطنات خاصة بهم، أو في أحياء في مدن كبرى. وهذا ما هو جار حالياً في شمال البلاد، ولكن هذا الجمهور يفضل أن يبقى قريباً من مدينة القدس، بفعل معتقدات دينية، وأيضا لكونه ينظر إلى المدينة كمركز ديني له، وهذا يبرز بشكل خاص لدى الحريديم الغربيين، "الأشكناز"، وبدرجة أقل لدى الحريديم الشرقيين "السفاراديم"، الذين أوضاعهم الاقتصادية تدفعهم نحو سكن أقل كلفة.
 

وقد أغرت الحكومة قبل أقل من ثلاثة عقود الحريديم ببناء مستوطنات خاصة بهم، في محيط مدينة القدس من شمالها وجنوبها، مع كامل الامتيازات التي يحصل عليها المستوطنون، وتوجد حالياً تسع مستوطنات، وعملياً فإن عدد المستوطنين من الحريديم بات قرابة 40% من إجمالي مستوطني الضفة، وقريباً سيتجاوزون النصف.
 

يشار هنا إلى أن كل الحكومات الإسرائيلية وضعت على مر عشرات السنين مخططات لنقل اليهود إلى منطقتي الشمال والجنوب حيث نسبة العرب عالية، وتبلغ نسبة العرب في الشمال 53%، وفي صحراء النقب ما يقارب 40%، ولم تنجح كل هذه المخططات، على الرغم من كل المغريات والامتيازات التي تدفع لمن ينتقل إلى هاتين المنطقتين، والسبب الأكبر هو أن الجيل الشاب ما أن ينهي الخدمة العسكرية أو لاحقاً التعليم الأكاديمي أو التأهيل المهني، حتى يتوجه إلى مركز البلاد، كونه المنطقة الاقتصادية الأغنى وذات فرص العمل الأكبر.
 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات 

تقارير ذات صلة