معهد ليفانت للدراسات

الحرب السورية و دول الجوار

يناير 30
17:53 2015

أحدثت الحرب السورية تحولاً كبيراً في شكل الاقتصاد فانحرف مساره وتحوّل إلى "اقتصاد حرب"  فأصبح همّ المواطن والحكومة تأمين السلع الأساسية والحفاظ على سعر الصرف عند حد معين تفادياً لتراجعات في القدرة الشرائية التي ما عادت تحتمل المزيد بعدما وصل معدل التضخم إلى 300% مقارنة بسنة أساس 2011. كثيرة هي الدراسات التي تتناول الاقتصاد السوري خلال الحرب وأثرها على بنية المجتمع لكن هذه الأثار لم تكن على اقتصاد سورية فحسب بل طالت دول الجوار في شرق المتوسط، فتعطلت إلى حد كبير التجارة البينية والصادرات والواردات وساهمت العقوبات على سورية في تكبيل العلاقة مع هذه الدول لجهة انسياب البضائع والمعاملات المصرفية وسهولة تحويل الأموال.. كل هذا عطّل خطط تنموية كانت بلدان (سورية، لبنان، الأردن، تركيا، العراق) تعمل عليها لتحقيق تكامل اقتصادي واندماج حقيقي خلال 2010، عبر تنشيط التجارة البينية وتخفيض النسب الجمركية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة وفتح الأسواق.

لكن الحرب في سورية أحدثت تشوهات في الاقتصاد وخلقت تبايناً عميقاً في السياسات الاقتصادية بين دول منطقة شرق المتوسط فتقطعت روابط اقتصادات هذه الدول، وزادت الأعباء تشوه رأس المال البشري السوري عبر ارتفاع نسبة الوفيات واستمرار موجات النزوح واللجوء.

في ورقة عمل للبنك الدولي بعنوان "أثار تكلفة الآثار الاقتصادية للحرب السورية وتوسع تنظيم الدولة الإسلامية: من خسر وما حجم الخسارة؟.. يحاول البنك سبر آثار هذه الحرب على دول الجوار وتحديد الاثار المباشرة وغير المباشرة، حيث تشير الدراسة إلى  أن الأثر المباشر للحرب في سورية يأتي من "تراجع حجم قوة العمل السورية ومهاراتها بسبب الوفيات وتدفق اللاجئين إلى الخارج، وتدمير البنية التحتية، وفرض حظر تجاري على سورية، وارتفاع تكلفة ممارسة أنشطة الأعمال، وانخفاض الإنتاجية، أما الآثار غير المباشرة فتتعلق بتكلفة الفرصة البديلة لمبادرات التكامل الاقتصادي التي كانت تستهدف تحسين اللوجستيات التجارية وتحرير التجارة في الخدمات بالمنطقة".

وهناك شق آخر غير مباشر للآثار السلبية للحرب حيث أدت الحرب إلى تعطيل التجارة فيما بين بلدان المنطقة، والتي كانت تنمو سبعة أمثالها في أوائل العقد الأول من الألفية وأواخره، وأوقفت كذلك خططا لتعميق الروابط التجارية بين بلدان المنطقة عقب توقيع اتفاقية التكامل الاقتصادي لأربعة من بلدان المنطقة عام 2010، وكان من المتوقع إجراء إصلاحات ضخمة لتعميق التكامل التجاري، ما يعكس التكامل الاقتصادي الكبير كما تبين دراسة للبنك الدولي  2014.

 

وترى الدراسة إلى أن "إحدى نتائج الحرب أن اقتصاد البلدان الستة في شرق المتوسط معا خسر ما يقرب من 35 مليار دولار من الإنتاج حسب أسعار 2007، بعبارة أخرى، كان من الممكن أن يزيد الحجم الاقتصادي التراكمي لاقتصاد هذه البلدان، مقاساً بإجمالي الناتج المحلي، 35 مليار دولار لو لم تكن الحرب قد نشبت. وتعادل هذه التكلفة الإجمالية للحرب حجم إجمالي الناتج المحلي السوري عام 2007".

تتفاوت خسائر البلدان المجاورة لسورية وذلك تبعاً لحجم اقتصادها وتبعاً لحجم تداخل اقتصادها مع الاقتصاد السوري وخاصة لبنان التي يرتبط اقتصاده وخاصة في القطاع المصرفي مع سورية حيث أن هناك مصارف لبنانية عاملة في سورية يقدر عددها بـ5 مصارف، لكن الخسارة الحقيقية والكبيرة كانت في الدول التي تشهد أعمال عنف ومعارك وخاصة سورية والعراق، وهنا تقول الدراسة أن "البلدان الأكثر تضررا من الحرب، وهما سورية والعراق، تحمّلتا عبء تكلفتها الاقتصادية المباشرة، فضلا عن خسارة ما كان يمكن أن يحققه زيادة التكامل الاقتصادي الرسمي : فقد سجل نصيب الفرد من الدخل في سورية والعراق بالقيمة الثابتة تراجعا بنسبة 23 في المائة و28 في المائة على التوالي مقارنة بمستوياته التي كان يمكن تحقيقها لولا اندلاع الحرب، لكن التكلفة المرتبطة بالحرب ارتباطا مباشرا تراجعت 14 و16 في المائة على التوالي في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في سورية والعراق. وكان الحظر التجاري على سورية عاملا رئيسياً وراء التكلفة المباشرة، أعقبه انخفاض حجم قوة العمل ومهاراتها بسبب الوفيات وخروج اللاجئين من البلاد، وتدمير البنية التحتية وارتفاع تكلفة ممارسة أنشطة الأعمال في مناطق الصراع"..

 

تراجع دخل الفرد

ساهم تدفق اللاجئين من سورية والعراق إلى إحداث تغيرات في مستويات الناتج المحلي الإجمالي على بلدان اللجوء تركيا، لبنان، الأردن، فارتفعت نسبة العمالة الفائضة وانخفض مستوى المعيشة بسبب التنافس الشديد على فرص العمل وزادت معدلات الاستهلاك، وبحسب البنك الدولي : تحملت بلدان أخرى بالمنطقة خسائر في متوسط نصيب الفرد من الدخل لكنها لم تشهد تراجعاً في إجمالي الناتج المحلي بسبب التأثيرات المباشرة للحرب.إذ أسفر تدفق اللاجئين على لبنان والأردن وتركيا عن تعزيز الاستهلاك والاستثمار وزيادة المعروض من العمالة ومن ثم حجم اقتصاد هذه البلدان المستقبلة للاجئين.غير أنه في جميع الحالات، ارتفع الدخل الإجمالي بمعدل أقل من زيادة عدد السكان، وعلى ذلك فقد أضرت الحرب بمستويات المعيشة، حيث انخفض متوسط نصيب الفرد من الدخل 11 في المائة في لبنان و1.5 في المائة في تركيا ومصر والأردن مقارنة بالمستويات التي كان يمكن تحقيقها لو لم تنشب الحرب.وتعد تكلفة الفرصة البديلة لفقدان التكامل التجاري أكبر من التكلفة المباشرة لمصر والأردن وتركيا.

 

أما في سورية فقد شهدت القطاعات الاقتصادية وفقاً للبنك الدولي "كلها تقريبا تأثيرات سلبية، لكن ملكية الأراضي تضررت بشكل خاص بسبب التراجع الحاد في الطلب على الأراضي، وذلك نتيجة للجوء أعداد ضخمة من السوريين إلى بلدان أخرى. وعلى النقيض من ذلك، استفاد أصحاب الأراضي والشركات في لبنان وتركيا في حين تضرر العمال لأن تدفق اللاجئين السوريين رفع الطلب على السلع والخدمات وما أدى إليه من زيادة في المعروض من العمالة".

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

 

تقارير ذات صلة