معهد ليفانت للدراسات

الحرب الباردة السورية و صراع المعسكرات الاقتصادي

الحرب الباردة السورية و صراع المعسكرات الاقتصادي
مايو 01
09:04 2017

لعل مصطلح " الحرب الباردة " يعيدنا بالذاكرة إلى أربعينيات القرن الماضي, و تحديداً إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية, هناك حيث بدأت القطبية تسيطر على شطري العالم, الاتحاد السوفييتي من جهة و الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى, حروب علنية كانت القوة العسكرية و سباق التسلح عنوانها, و صراع خفي ارتكز على الدعاية و الاقتصاد, تحالفات و خلافات, و تقاسم للسيطرة على دول العالم, معسكرات اشتراكية و أخرى رأسمالية و الكل يسعى لبسط نفوذه و الضغط على نفوذ غيره, يتغير الأشخاص و التاريخ يعيد نفسه بحلة عصرية تناسب المكان و الزمان, تتشابك التفاصيل و تغرقنا في دقائق الأحداث حتى نسلو عن الرؤيا الكاملة,إنه التاريخ دروس و عبر, و من لا يقرأ التاريخ لن يرى أبعد من يومه في عالم باتت الرؤيا فيه ضبابية مشوهة, لذا نجد أنه من الضرورة بمكان إعادة إحياء التاريخ بين السطور, السطور الواجب وضعها أمام القارئ  المعني بما يحدث اليوم من خراب, الخراب الذي تعيشه سوريا اليوم هو الحرب الباردة للقرن الواحد و العشرين, و هنا يبرز التساؤل الأهم, ما هي الحرب الباردة السورية ؟ و ما هو المعسكر الذي تواجهه على أرضها ؟ و ماذا ستكتب الأيام القادمة من عمر الحرب التي بدأت عامها السابع ؟

 

المقصود بالحرب الباردة السورية من وجهة النظر البحثية هي كل ما لا يصح وضعه في خانة المعارك الدائرة على الجغرافيا السورية اليوم, هذه المعارك التي نضعها إن صح الوضع تحت مسمى تكتيكات على كامل الرقعة الجغرافية للبلاد بحدودها السياسية, تلك التكتيكات التي تصب في أصل الإستراتيجية بعيدة المدى للحرب على سوريا, الإستراتيجية القائمة على حروب الوكالة و التجسس بمعناها الأعم, و هذه المصطلحات تقودنا إلى التوصيف الأدق للحرب الباردة ألا و هو " الاقتصاد " , اقتصاد سوريا هو رأس الهرم في الحرب و هو الأساس الذي تسعى لضعضعته كل القوى المنضوية  في معسكر الضد الذي تترأسه الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الدولة السورية الحالية, هذا المعسكر يسعى اليوم إلى تثبيت نقاط سيطرة أتباعه على المدى الطويل ليبدأ بعدها بحرب استنزاف خفية طويلة الأمد, استنزاف لمقدرات سوريا, و نسف لبنيتها التحتية,  و ضرب لقطاعاتها الحيوية, و فصل ساحلها عن داخلها و شرقها عن غربها, و انتظار الوقت لتتراكم الخسارة و تصل حد الانهيار, الانهيار الذي يشابه بالشكل انهيار المعسكر السوفييتي القديم و يختلف بمضمونه من حيث أهدافه و المكاسب على المدى البعيد .

 

عودة سريعة إلى بداية تفجر الأحداث في سوريا و تسارعها الدراماتيكي نلاحظ خط سيرها على منحنى صاعد يشير إلى الرقعة الجغرافية السورية و بؤر التوتر آنذاك, الجغرافيا تغيرت مع مرور الوقت لتتحول بسرعة خاطفة من احتجاجات شعبية إلى تدمير منهجي للبنى التحتية و استهداف لكل القطاعات الحيوية من آبار نفط إلى مؤسسات حكومية إلى مناطق صناعية إلى شركات و معامل إلى طرق الترانزيت إلى المطارات و المعابر الحدودية حتى أتت المعارك على كامل الاقتصاد السوري الذي تحول بحكم الضرورة إلى اقتصاد حرب بات من أولوياته تأمين أساسيات العيش كالخبز و الوقود, هذا الاقتصاد برغم الأرقام المخيفة المتداولة عنه ما زال متماسكا على أقل تقدير برغم كل ما حدث و يحدث, و سجل له بين عامي 2006 و 2010 إحدى أعلى نسب النمو في الشرق الأوسط وفق البنك الدولي, لكن عند النظر من زاوية بعيدة نلاحظ الخطر على المدى البعيد, خطر مرتبط بالأمن القومي السوري, خطر يعد الجانب الاقتصادي فيه هو الأكبر و الأكثر تأثيراً, الاقتصاد عصب الحياة كما يقول منظرو الاقتصاد و فيه تسري دماء وطن بكامله, عصب تتفرع منه شرايين لا تقل أهمية عنه بل تندرج تحت بنده كالأمن الغذائي و المائي و حتى الإنساني, كل هذه المقدمات تعد ضرورية قبل الحديث عن السيناريو المرتقب من عمر الحرب السورية, سيناريو السيطرة على مناطق بكاملها تحت رعاية دولية من اللاعبين الدوليين في سوريا, مناطق متنازع عليها قد تمهد لخسارة أكبر و قد تشكل أخطر تهديد للأمن القومي السوري و هنا يبرز السؤال الأهم : ماذا لو تحققت مناطق السيطرة طويلة الأمد على الجغرافيا السورية, و كيف نستطيع تحديد ما هو خطير و ما هو أقل خطورة ؟

 

للإجابة على هذه التساؤلات نجد أنه من الضرورة بمكان توضيح بعض المصطلحات للقارئ و التي نوجزها كالتالي :

  • الأمن القومي : هو مفهوم حماية الحكومة و البرلمان للدولة و المواطنين عبر سياسات فرض السلطة، سواء كانت سياسية، اقتصادية، دبلوماسية وعسكرية و يشمل مجموعة واسعة من التحديات التي تؤثر على الأمن غير العسكري أو الاقتصادي للدولة, و من أجل سلامة الأمن القومي، تحتاج الأمة للأمن الاقتصادي، وأمن الطاقة، والأمن البيئي
  • عناصر الأمن القومي : بالإضافة إلى الجانب العسكري المتعلق بتحقيق الأمن، يتم بشكل شائع أيضًا إدراج الجوانب المتعلقة بـالسياسة و المجتمع والبيئة و الطاقة و الموارد الطبيعية و الاقتصاد, و ترتبط عناصر الأمن القومي ارتباطًا وثيقا بمفهوم عناصر القوة الوطنية.
  • الأمن الغذائي : مصطلح يقصد منه مدى قدرة بلد على تلبية احتياجاته من الغذاء الأساسي من إنتاجه الخاص أو استطاعته على استيراده تحت أي ظرف ومهما كان ارتفاع أسعار الغذاء العالمية .
  • الأمن الاقتصادي : يتطلب الأمن الاقتصادي التأكيد على وجدد دخل أساسي لكل فرد سواء أكان من عمل حر أو وظيفة حكومية مما يكفل الأمن للفرد .

 

إن الفوضى التي تسببت بها الحرب, و امتدادها على مساحات شاسعة, و كثرة الأطراف المتنازعة, و استمرارية القتال, جعلت من الصعب حصر النتائج بأرقام و إحصائيات دقيقة, لكن من الممكن مقاربة الواقع بتفاصيل صحيحة و التركيز على أهم المناطق الإستراتيجية التي يسعى التحالف الأمريكي للسيطرة عليها و جعلها خارج سلطة الدولة السورية, هذه المناطق التي تتصدر عناوين الصحف و نشرات الأخبار في الأيام الحالية كالرقة و دير الزور و ادلب و الحسكة, هذه المحافظات التي تبدو للقارئ و كأنها مدن منفصلة لا تداخل بينها تحمل مع أسمائها مخاطر اقتصادية على المدى البعيد, مخاطر تصل إلى درجة كارثة قد تصيب الاقتصاد السوري, ففي حال سيطرة المعسكر الأمريكي على هذه المدن وأريافها فهذا يعني تهديداً فعلياً للأمن الغذائي السوري القائم أساسا على القطاع الزراعي .

 

 

إن السيطرة على هذه المناطق يعني فقدان أهم المناطق الزراعية السورية و موطن الثروة الحيوانية و المواد الخام إضافة إلى المعابر الإستراتيجية للتجارة و الترانزيت, و لا ننسى طبعا المنشآت الحيوية كالسدود و المشاريع المائية إضافة إلى أهم آبار النفط, و للتعريف أكثر بأهمية الزراعة و أثرها على الأمن الغذائي السوري نعرض بعض الحقائق بالأرقام :

تشكل الزراعة في سوريا 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي ويعمل في القطاع الزراعي نحو 17% من مجموع قوة العمل أي قرابة 900 ألف عامل و يعد القطاع الزراعي موردًا اقتصاديًا لأكثر من 46% من السكان في سوريا .

أدّى هذا القطّاع أثناء الأزمة دوراً مهماً للغاية في المحافظة على الحدّ الأدنى من معيشة مئات آلاف الأسر التي تعتمد اقتصادياً على القطّاع الزراعي, و شهد الإنتاج الزراعيّ تدهوراً بشقّيه النباتيّ والحيواني, و تراجع الناتج المحليّ للزراعة بنسبة 15% في العام 2014، مقارنةً بعام 2013 مما اضطر الحكومة السورية إلى زيادة مستورداتها لسد الفجوة في الأمن الغذائي, هذا و قد قدرت وزارة الزراعة السورية مجموع الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي حتى نهاية العام 2015 ب 220 مليار ليرة سورية .

 و زاد التدهور في الإنتاج الزراعيّ من ندرة الغذاء وتضخّم الأسعار، ما تسبّب في انعدام الأمن الغذائيّ في المناطق التي شهدت تنامياً كبيراً في أعداد الأسر الفقيرة، وخاصّةً في المناطق المحاصرة و مناطق النزاع, و بحسب منظمة الفاو فإن ما يقارب 9 مليون سوري يواجهون انعدام الأمن الغذائي و أكثر من 6 مليون منهم يعيشون حالات حادة من انعدام الأمن الغذائي و أكد خبراء الاقتصاد لدى برنامج الأغذية العالمي أن قرابة ست سنوات من الصراع أسفرت عن تدمير الاقتصاد السوري ومعه قدرة السكان على شراء الضروريات مثل الغذاء الذي يحتاجونه للبقاء على قيد الحياة.

 

في ظل غياب أفق واضح للأزمة السورية و في ظل استمرار المعارك و تشابك الأرقام و الإحصائيات لا يمكن لأحد التنبؤ بما سيحصل مستقبلاً, لكن ربما البلد الذي بقي لستة أعوام في حرب لم تسجل القرون الحديثة أشرس منها سيبقى محافظاً على مقومات ثباته عبر تعزيز عوامل القوة و التحمل, تلك العوامل التي تحتاج لمسؤولية مجتمعية و حكومية, و تقع على عاتق كل فرد مدرك لأخطار هذه الحرب .

 

المراجع :

  • ، Joseph J. (1993). Defining national security: the nonmilitary aspects. Pew Project on America's Task in a Changed World (Pew Project Series). Council on Foreign Relations. صفحة 122.
  • منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لشرق المتوسط : http://www.emro.who.int/ar/nutrition/food-security/
  • تقرير التنمية البشرية للعام 2001 ص 29 منشور لحساب برنامج الأمم المتحدة الانمائي UNDP
  • محمد السيد عبد السلام، الأمن الغذائي للوطن العربي، كتاب عالم المعرفة، العدد 230، شباط 1998، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت،  ص 95 .
  • موجز عن الزراعة في سوريا، الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، 2 شباط 2011.
  • خارطة الاستثمار الزراعي في سوريا، وزارة الزراعة السورية، 2 شباط 2011.
  • منظمة الأغذية و الزراعة للأمم المتحدة : http://www.fao.org/home/en/

جميع الحقوق محفوظة – معد لمعهد ليفانت للدراسات – رواد منصور

تقارير ذات صلة