معهد ليفانت للدراسات

الحدود… خط المواجهة اللبناني – الإسرائيلي

الحدود… خط المواجهة اللبناني – الإسرائيلي
يونيو 19
18:52 2014

بقي الجنوب اللبناني صورة للإخفاق السياسي في رسم خط فاصل بين لبنان و "إسرائيل"، على الرغم من الاتفاقيات التي بدأت منذ عام 1949، ورغم أن "الحدود الإسرائيلية" شهدت توترات وتحولات عديدة، لكنها شكلت محورا سياسيا في الشمال، وذلك مع الرمزية المكتسبة التي خلقتها "إسرائيل" في مسألة "أمن الجليل"، إلا أن هذه الحدود انتقلت باتجاه عناوين أخرى على الأخص مع انتقال الفصائل الفلسطينية إلى لبنان بعد اتفاق القاهرة في الثالث من تشرين الثاني عام 1969، لكن في المقابل هل يمكن أن نعتبر الأحداث السياسية في ستينيات القرن الماضي سببا أساسيا لمثل هذا التوتر الدائم؟ أم أن الواقع الجيبولتيكي لـ"إسرائيل" كان يسير نحو هذا التصادم سواء ظهرت منظمة التحرير في لبنان أم لم تظهر؟

التطور الجيبولتيكي….


ظهرت المشاكل المتعلقة بالحدود اللبنانية – "الإسرائيلية" بعد عام 1967، وذلك مع التغير الذي طرأ على "جغرافية إسرائيل" باحتلالها الجولان والضفة الغربية وسيناء، فمفهوم المن بالنسبة لها تحول بشكل جذري، قل حرب 1967 كانت "إسرائيل" تعاني من خلل على الأخص في حدودها الشرقية، وكان التلويح بتحالفات عسكرية عربية – عربية يثير مخاوف من أي حرب قادمة يمكن أن تؤدي إلى اجتياح "إسرائيل من الشرق وربما شطرها إلى قسمين، فمدينة طولكرم الواقع في الضفة لم تكن تبعد سوى عشرات الكيلومترات عن "الساحل الإسرائيلي".

ولكن بعد عام 1967 أصبح "إسرائيل" مختلفة نوعيا من ناحية الاحتياجات الأمنية بعد احتلالها لكامل الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، فهي أبعدت خطوط المواجهة باتجاهات جديدة وربما الأهم أنها احتلت هضبة الجولان التي ترتبط بيئيا على الأقل مع الجنوب اللبناني، فـ"إسرائيل" أصبحت تسيطر على المثلث المائي لدولتين عربيتين هما سوريا والأردن، ولكن المشكلة الأساسية أن هذا المثلث مرتبط بلبنان وعلى الأخص من لبنان ومن ناحية ثانية زادت احتياجات المستوطنات التي انتشرت بسرعة منذ حرب عام 1967.

عمليا فإن الاستحقاق السكاني الداخل "الإسرائيلي" وهو ما خلق مستوى جديد من مسألة الحدود الشمالية التي أصبح أمنها يعني اكتسابها عمقا ولو بشكل غير عسكري باتجاه الشمال، ورغم أن هذا الموضوع ظهر في الستينيات لكنه كان ضمن المسائل التي تم التفكير بها في وقت مبكر، في مؤتمر بازل عام 1897 قال "هرتزل" بعد المؤتمر" لو أني أردت تلخيص نتائج هذا المؤتمر لقلت إننا وضعنا أسس الدولة اليهودية بحدودها الشمالية التي ستمتد حتى نهر الليطاني وبعد خمسين عاماً بالتأكيد سيرى كل إنسان هذه الدولة"، وفي عام 1903 عرض "هرتزل" مبلغ مليون ليرة تركية على السلطان العثماني "عبد الحميد الثاني" مقابل موافقته على حق اليهود في الاستقرار في منطقة الجليل؛ وصولاً إلى أرض لبنان الجنوبي، حيثُ يشكل نهر الليطاني مركزاً المخططات اليهودية الرامية لنشر الازدهار في المنطقة. وفي مؤتمر السلام عام 1919 طالبت الحركة الصهيونية بضرورة إجراء تعديل على حدود "إسرائيل" ليشمل نهر الليطاني ومنابع نهر الأردن وجبل الشيخ وطبريا.

وفي 30/10/ 1920 بعث "حايم وابزمان" مذكرة إلى وزير خارجية بريطانيا طالبه بإدراك "أهمية الليطاني الكبرى لإسرائيل فلو تأمنت لها جميع مياه الأردن واليرموك لن تفي بحاجاتها، إن الليطاني هو المصدر الذي يمكن أن يوفر ري الجليل الأعلى". كما أعلن "هوارس ما بيركالن" عام 1921 أعلن أن مستقبل فلسطين بأكمله هو بين أيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع نهر الأردن. بينما تمنى "بن غوريون" برسالة إلى الرئيس الفرنسي "شارل ديغول" في 7 /1/ 1941 " جعل الليطاني حدود إسرائيل الشمالية"، كما كشف "بن غوريون" أيضا عن وثيقة سرية أعدها عام 1941" بأن أراضي النقب القاحلة وكذلك مياه الأردن والليطاني يجب أن تكون مشمولة داخل حدود إسرائيل".

بداية المسائل الحدودية

قبل عام 1948 أدرك قادة المنظمة الصهيونية أهمية التعامل مع حيوية الحدود مع لبنان، خط الهدنة الذي ظهر لاحقا يشكل شريطاً أمنيا بالدرجة الأولى, لأنه يضم سلسلة من المرتفعات والتلال في الأراضي اللبنانية تطل على عمقه إسرائيل, كمرتفعات “المنارة” (950م) و"مسكاف عام" (910م) وجبل "عداثر" جنوبي قرية "رميش" (1006م), و"قلعة الراهب" في منطقة "الشعب" (731م), و "المطلة" (525م) و"المالكية" (890م), إضافة إلى بعض مرتفعات إصبع الجليل التي هي امتداد لمرتفعات "جبل الشيخ". وتم بناء المستوطنات باكرا في محاذاة خط الانتداب أو في داخله في الجهة الشمالية (داخل لبنان), وذلك قبل سنوات على قيام "إسرائيل", ومن أهم هذه المستعمرات في "الجليل الغربي": “عين عيرون” (1934), “حانيتا” (1938), “ألون” (1938), “متسوفا” (1940). وفي "الجليل الشرقي": "المطلة" (1896), "كفار جلعادي" (1916), "بيت هيلل" (1940), "راميم" (1944) "راموت نفتالي" (1945). وفي السنة الأولى من قيامها, سارعت "إسرائيل" إلى بناء مستعمرات عديدة في الجليل منها: بيتست, اينان, تساهال, شلومي, شومرا, كفار روش هانيكرا, ملكياه, ميرون, يرؤون, يفتاح, يوفال.

جرت مفاوضات الهدنة في جزيرة (رودس) بعد توقف المعارك. ووقعت لبنان و"إسرائيل" على الاتفاقية بالناقورة يوم 23 آذار 1949، ونص على انسحاب كل القوى العسكرية للفريقين على طرفي الحدود إلى عمق 25 كلم، وألا يكون في هذه المساحة سوى 1500 جندي إسرائيلي، ومثله في الجانب اللبناني مع أسلحة خفيفة، وبرعاية لجنة الهدنة التابعة للأمم المتحدة. عمليا لم تنفذ إسرائيل بنود اتفاق الهدنة، ولم تنسحب إلا إلى الخط الأزرق الذي جرى ترسيمه، وليس إلى الحدود اللبنانية، أي إلى خط الهدنة وهو الخط الذي تم الاتفاق عليه (الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين).

ولكن خط الهدنة بذاته عليه الكثير من إشارات الاستفهام، فخارئط "سايكس بيكو" وضعت الحولة وصفد ضمن المنطقة الفرنسية، وهذا يعني أن الخط الجنوبي لمنطقة الانتداب الفرنسي كان يصل ما بين “رأس الناقورة” والطرف الجنوبي لمنطقة “صفد”، أما اتفاقية باريس 1920 فرسمت الحدود اللبنانية الفلسطينية وفقاً الخط التالي:

“… ومن هناك (من بانياس) سترسم الحدود باتجاه الغرب حتى “المطلة” التي ستبقى ضمن الأراضي الفلسطينية, وسيقتفي أثر هذا الجزء من الحدود بشكل يضمن معه للمنطقة الواقعة تحت الانتداب الفرنسي, مواصلات سهلة داخل المنطقة بأكملها مع مناطق “صور” و”صيدا”, وكذلك استمرار الطريق الواصلة ما بين غرب وشرق “بانياس”, ومن “المطلة” ستصل الحدود حتى الخط الفاصل بين “وادي الأردن” و”حوض الليطاني”. ومن هنا ستتبع هذا الخط باتجاه الجنوب, وبعد ذلك ستتبع بشكل أساسي الخط الفاصل ما بين “وادي فارة حورون” و”كركرة”, التي ستبقى تحت الانتداب البريطاني “ووديان “الدبلة” و”العيون” و”الزرقة” التي ستبقى تحت الانتداب الفرنسي

وستصل الحدود البحر الأبيض المتوسط في ميناء “رأس الناقورة”, سيبقى في المنطقة الواقعة تحت الانتداب الفرنسي.

شكلت هذه الاتفاقية أساس المسح التفصيلي للحدود, والذي قامت به لاحقاً لجنة حدودية عُرفت باسم رئيسيها “نيوكومب وبوليه” (S.F. Newcomb, N. Paulet ), والتي كان تشكيلها تنفيذاً للمادة الثانية من معاهدة باريس، وأصبح هذا الترسيم الحدودي شرعة دولية بدءاً من سنة 1924, وتكرس مع تأكيد هيئة الأمم المتحدة في القرار 181 (قرار تقسيم فلسطين) في 29 تشرين الثاني 1947, على الحدود الدولية لفلسطين وأصبح حدودا دولية ةتم اعتماده كخط الهدنة بين البلدين.

التوتر من جديد

لم بحافظ خط الهدنة على واقعه ففي عام 1967 وخلال مجربات الحرب احتلت "إسرائيل" مزارع شيعا في العرقوب، وامتدت ايضا إلى: (وادي الخنساء, البحاصير, رويسة بيت الراس, رويسة السماق والجبل الأحمر وجبل الروس), إضافة إلى منطقة “مشهد الطير” التابعة للأوقاف الإسلامية. وهذه المناطق تمتد من خراجات “كفر شوبا” و”كفر حمام” و”شبعا” باتجاه “القنيطرة”, ويأتي “جبل الروس” في طليعة تلك المواقع من حيث الأهمية العسكرية, بجانبه الشرقي التابع لسوريا وبجانبه الغربي التابع للبنان, والذي يشرف على الجنوب اللبناني حتى البحر. وخلال حرب 1973, اقتطعت إسرائيل في مرتفعات “جبل الشيخ” العديد من المواقع اللبنانية, أهمها في خراج بلدة “شبعا”: “جورة العليق وبركة النقار والسواقي وتلّة السدانة”, الواقعة بين “شبعا” و”الهبارية. وفي عام 1975 تقدمت إسرائيل شمالي شرق “كفر شوبا” من جبل “الشميس” الذي يشرف على عموم القطاع الشرقي. وباحتلاله صارت “كفر شوبا” في وضع عسكري بالغ الحرج, وصارت سائر منطقة “العرقوب” و”مرجعيون” تحت التهديد الجدي.

لكن المشاكل الجدية في مسألة الحدود بدأت في 14 آذار 1978 عندما اجتاحت "إسرائيل لبنان يما يعرف بـ"عملية الليطاني"، وأقامت حزاماً أمنياً بمسافة عشرة كيلو مترات لحماية شمالها من هجمات الفلسطينيين، وبعد ثلاث أعوام أي في 10 تموز 1981 قامت إسرائيل بشن غارات جوية عنيفة على عدة مواقع في جنوب لبنان، وفي 17 حزيران قصفت مراكز قيادة حركة فتح

والجبهة الديمقراطية في بيروت الغربية. واستمر القصف إلى يوم 24 يوليو وذلك بعد صدور قرار من مجلس الأمن في 22 تموز يطالب فيه بوقف فوري للهجمات المسلحة على لبنان.

في الثالث من حزيران عام 1982 بدأت "إسرائيل" عملية جديدة وصلت فيها إلى مدينة بيروت، وحملت نتيجيتين أساسيتين: الأولى خروج منظمة التحرير من لبنان، والثانية احتلالها لشريط حدودي بقيت فيه حتى عام 2000، واستمر التوتر على الحدود اللبنانية لعقدين كاملين إلا أن قررت حكومة "إيهودا باراك" الانسحاب من الشريط الحدودي وتم في 25 أيار عام 2000 ورُسم ما يعرف بالخط الأزرق، وهو خط وضعته الأمم المتحدة كحدود للانسحاب "الإسرائيلي" من لبنان، وكان يعرف سابقا بـ“خط لارسن” لأن المشرف على وضعه مبعوث الامين العام للامم المتحدة تيري رود لارسن واعتمدته الأمم المتحدة في تنفيذ القرار 425، وهو لا يعني رسم خط حدودي، بل هو خط تحتاجه الأمم المتحدة لغرض تأكيد الانسحاب الإسرائيلي.

عمليا بقيت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية مصدر توتر حتى بعد عام 2000، وشهدت حربا قاسية عام 2006ـ، ومن الصعب ترسيم هذه الحدود بشكل نهائي دون الوصول لاتفاقيات سلام كاملة وشاملة مع "إسرائيل"، وهو أمر لا يبدو قريبا بل على العكس فإن تعقيدات هذا الصراع تزداد، ويزداد معه الطموح "الإسرائيلي" في رسم واقع جيبولتيكي مختلف لا يضمن الأمن العسكري فقط، بل يسهل من عمليات التطبيع مع باقي الدول العربية، فالحدود في شرقي المتوسط، وبلاد الشام تحديدا، تعبر عن إطار خاص من الصراعات القادمة التي يمكن أن تخلق حروبا بشكل دائم.

تقارير ذات صلة