معهد ليفانت للدراسات

الحدود المرنه

الحدود المرنه
يوليو 28
08:49 2014

داعش والحدود السياسية المرنة

   مصطلح "الحدود المرنة" ربما يصبح خلال السنوات القادمة شائعا وذلك استنادا لما يحدث في الشرق الأوسط، فمسألة "الحدود" و "سيادة" الدولة تخضع لاختبار هو الأقوى من نوعه، ليس فقط على صعيد الحرب الدائرة في سورية، بل أيضا في دول جوارها الجغرافي التي فقدت "حدودها" صفتها الاصطلاحية، بعد أن أصبحت مجال نشاط لا يرتبط بنشاط رسمي لأي من الدولتين، فهو خارج إطار أي قانون تخضع له الدول الحديثة، فهل سنشهد مفهوما جديدا للحدود السياسية في منطقة الشرق الأوسط؟

حرب ما بعد الحداثة

   أثارت الحرب في يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي انتباه عدد كبير من الباحثين، فهي خرجت عن القواعد المعتادة للحروب وكرست أشكالا من التعامل ضمن العلاقات الداخلية للدولة تغير من النمط السائد للدولة المعاصرة في بعض مناطق العالم، وأطلق البعض على هذه الحروب مصطلح الحروب الجديدة بينما فضل البعض استخدام مصطلح حروب ما بعد الحداثة، وهي تشكل مقدمة لفهم ما طرحناه في المقدمة حول "الحدود المرنة" لأنها تتطابق مع تشكيل هذه الحروب واعتبارها مقدمة ليس لتشكيل الخرائط السياسية بل أيضا لإزاحة "منظومات سياسية وإحلال منظومات بديلة عنها، ويعرف الباحثه ماري كالدور الحروب القديمة في كتابها "الحروب الجديدة والحروب القديمة.. تنظيم العنف في حقبة الكونية"، بأنها التي سادت العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى الحرب العالمية الثانية، وترافقت مع بناء الدولة الحديثة، التي كان أهم شروطها بناء مؤسسات عسكرية توفر للدولة الاحتكار القانوني لاستخدام القوة، وتمت إزالة الجيوش الخاصة المكوّنة من مرتزقة وأصحاب سوابق ومجرمين، وكان هؤلاء يمثّلون قوام الجيوش في القرون الوسطى، وكانت الحروب الكلاسيكية مضبوطة بأنظمة وقواعد تتجنّب استهداف المدنيين. وهو ما أثبتته حروب القرن العشرين، إذ كانت الخسائر بنسبة 8 إلى واحد بين العسكريين والمدنيين، لم يكن احترام الشرائع والمواثيق خاصية الجيوش النظامية فقط، بل كان احترامها قاعدة في حروب الغوار أو حروب التحرّر الوطني التي قامت على أساس ايديولوجيات وأفكار وبرامج تحررية، لعل أشهرها الثورة الصينية بقيادة ماوتسي تونغ، وحرب فيتنام وغيرهما، وتمت بلورة تشريعات وأنظمة ومواثيق حمت هؤلاء وجعلتهم بمنأى عن الحرب، كمعاهدة جنيف في 1948 ولاهاي وهلسنكي في 1975.

  أما حروب ما بعد الحداثة (الجديدة) وحسب كالدور فكانت على النقيض من ذلك، فلم تعتمد على قوى نظامية تتميّز بالزي الموحّد وتكون مسلكيتها مضبوطة بأنظمة وقواعد. وكان أغلب القائمين بها من القوى شبه العسكرية التي جسّدتها الميليشيات وتشكيلات المرتزقة. وفي تجربة يوغوسلافيا السابقة، كان المجرمون وأصحاب السوابق يشكلون 80 بالمئة من عديد المنظّمات شبه العسكرية، ويتكون الباقي من قوميين ــ إثنيين متطرفين، وأدّى "أمراء الحرب" الدور الرئيسي في حروب أفريقيا.

   أبحاث كالدور في تفكيك الحروب التي نشهدها يمكن أن تشكل نموذجا لفهم بعد التحولات القادمة، سواء في بلاد الشام او حتى في بعض دول شرقي المتوسط، فبعد أن أعلنت داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) الخلافة، وعلى مساحة على الحدود العراقية – السورية ووصولا إلى الأردن، فإن التحدي الحقيقي ليس في مسألة الحفاظ على التقسيمات السياسية التي نتجت بعد الحرب العالمية الأولى، بل في نوعية الولاء للدولة بكل ما يحمله من معنى مرتبط بالمراحل اللاحقة للامبرطورية العثمانية، فالنموذج التاريخي الذي قدمته داعش يمثل ثقافة أكثر من كونه مشروعا سياسيا قابلا للحياة، ولكن حتى لو انتهي هذا النموذج التاريخي فإن التكوين الثقافي المرافق له سيبقى مرافقا للأجيال ربما لفترة غير قصيرة.

   استنادا لما يقدمه "كالدور" فليس من الضرورة أن تظهر دولة متكاملة في مناطق "حروب ما بعد الحداثة"، فالمهم بالنسبة لهذا النموذج الاستفادة من القدرة على إعادة رسم المجتمع بشكل جديد، ولك لخلق توازنات مختلفة قادر على امتصاص الصدامات الإقليمية، فالتشكيلات المسلحة التي ظهرت في سورية وقبلها في العراق هي تنظيمات تحاصر "الدولة الإقليمية" التي ظهرت على بقايا الدولة العثمانية، فاللافت للنظر أنها تشكلت وفق ثلاث خطوط:

–       الأول انها تشكيلات حدودية حيث تبرز قدرتها على النشاط في الدوائر الحدودية للدولة، وانتشارها اللاحق يبقى هشا ومرهونا بالقدرة استكمال الدعم اللوجستي من الدول المجاورة، وسمة التشكيلات الحدودية لا تمنحها هوية بقدر ما تجعلها تنظيمات قادرة على تشكيل كيانات منفصلة أشبة بـ"كانتونات عسكرية"، فمن داعش الممتدة على طول الحدود العراقية السورية، إلى جبهة النصرة وكتائئب الفاروق وغيرها من الفصائل، كان المشهد يقدم مؤشرات على فرض أمر واقع على الدولة السورية أو العراقية أكثر من كونها مشروعا سياسيا متكاملا لدولة إقليمية.

–       إن سمة التشكيلات الحدودية يلغي أي سمة لهوية مرتبطة بدولة معاصرة، أو لمشروع سياسي واضح، فحتى داعش خلقت توليفة عشائرية بنظام ريعي وأصبح نشاطها أشبة يغزوات القبائل للسيطرة على مصادر اقتصادية يتم تقسيمها وفق سياق الحصص بين العشائر، فهذه التنظيمات لا تقدم أي نموذج إنتاجي ينسجم مع سياق العالم المعاصر، بل تشكل ثقافة وظيفية مرحلية.

–       إن السمة "الأممية" التي اتخذتها هذه التشكيلات عبر استيعابها لمقاتلين أجانب لا يلغي فقط مفهوم السيادة بكل ما يتبعها من أسس ارتبطت بعالمنا المعاصر مثل المواطنة والحقوق، بل يقوم أيضا على جعل المناطق الحدودية نقطة الارتكاز على حساب الكتلة الجغرافية الأساسية للدولة، ومن هذه النقطة يمكن فهم عمليات التخريب التي طالت المدن الكبرى التي كانت إما قاعدة إمارة كما حصل في الرقة، أو مناطق محررة مستباحة كما حدث في مدينة حلب.

   ربما كانت "مارؤ كالدور" تحلل أنواع الصراع بسماتها العامة لمرحلة "العولمة"، لكن الواقع العام منذ الحرب اليوغوسلافية يوضح أن "حروب ما بعد الحداثة" تبدو أنسب للشركات العابرة للقارات، ولنسياب رؤوس الأموال بعيدا عن السيادة، وربما لإنشاء "منظومات" من "حكومات هامشية" على حدود الدول الإقليمة قادرة على ممارست الضغط باتجاهين كما يحدث في سورية، فالتشكيلات المسلحة الحدودية تبقى عبئا على الدولتين المتجاورتين، حتى ولو بدا تأثيرها أقوى باتجاه معين، كما يحدث الان في الحدود الشمالية والجنوبية لسورية.

   في المشهد العام اليوم ليس علينا قراءة التأثير العام للتنظيمات الإرهابية وفق تواجدها في سورية، بل ربما بما ستخلفه من حدود مرنة تشكل نافذي لتسرب ثقافة معاكسة تماما لمفهوم الدولة المعاصرة أو حتى أشكال الحياة الاجتماعية في بلاد الشام عموما.

تقارير ذات صلة