معهد ليفانت للدراسات

الجيش اللبناني والتكوين السياسي المعقد في لبنان

الجيش اللبناني والتكوين السياسي المعقد في لبنان
أكتوبر 22
17:01 2014

يواجه الجيش اللبناني حالة تناقض صارخة منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، فهو رغم اتفاق الطائف لم يكن يوما المؤسسة الوحيدة للدفاع عن الشرعية اللبنانية، فقبل عام 2005 كانت وحدات من الجيش السوري منتشرة فوق الأرض اللبنانية، إضافة لقوات المقاومة من حزب الله في الجنوب اللبناني، ومنذ عام 2006 أصبح واضحاً أن القوة العسكرية للمقاومة تتفوق بالعتاد على الأقل على المؤسسة العسكرية اللبنانية، بينما فشل السياسيون عبر "طاولة الحوار" لوضع "استراتيجية للدفاع" تنهي أي تواجد آخر غير وحدات الجيش النظامي.

في المقابل فإن الجيش اللبناني يشكل المؤسسة الرئيسة داخلة الدولة التي لم تعاني من الانقسام السياسي، وهو ما يدفع المزاج اللبناني العام إلى التمسك به كرمز لوحدة لبنان، على الأخص بعد تجربة الحرب الأهلية التي أدت عملياً إلى انقسام الجيش، وانكفائه وسط فوضى الميليشيات التي انتشرت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وهذا الواقع وضع المؤسسة العسكرية اللبنانية على حدود التوازن السياسي، فهو نجح خلال عقد كامل، منذ انسحاب الجيش السوري، في الحفاظ على حياده من الأزمات السياسية، وتمكن في تلك المرحلة أيضاً من محاربة البؤر الإرهابية التي ظهرت سواء في "الضنية" أو "نهر البارد" وأخيراً في "صيدا"، لكن استحقاق مجابهة الإرهاب دخل مساراً مختلفاً وخطيراً بعد أحداث "عرسال" وانتشار "داعش" في المنطقة، إضافة لظهور تحالف إقليمي ودولي يقوم بضربات جوية فوق الأراضي السورية والعراقية، فهل يستطيع الجيش اللبناني تجاوز هذه المرحلة مع ظهور انقسام سياسي واضح في لبنان؟!

الوظائف الجديدة

يرجع البعض تأسيس الجيش اللبناني إلى مرحلة فخر الدين المعني (1572 – 1635)، ولكن هذه المقاربة لا تحمل أي مؤشرات حول تكوين الجيش اللبناني الحالي، حيث تأسس فعليا في 1 آب 1945، فهذه المؤسسة تعود إلى عام 1916 عندما شكلت الحكومة الفرنسية "فرقة الشرق"، ومنها تأسس أول فوج من "القناصة اللبنانية"، وهو نواة الجيش اللبناني، وتم دمج أفواج القناصة والوحدات العسكرية المختلفة عام 1943، وشكل أول لواء في تاريخ الجيش وهو اللواء الخامس بقيادة فؤاد شهاب وكان يومها برتبة عقيد. وفي الأول من آب 1945 إنتقلت رسمياً قيادة القوات المسلحة إلى السلطات اللبنانية.

ويبدو أن الرابط الوحيد بين قوات فخر الدين المعني الثاني والجيش الحالي هي في طبيعة التشابك السياسي، فقوات فخر الدين أسست عملياً لواقع مختلف تطور لاحقاً ليعطي لبنان خصوصيته، ويبدو أن الجيش اللبناني اهتم أساساً بوظيفة حفظ هذا التوازن القائم على ميثاق عام 1943، ومن هذه الزاوية يمكن فهم الوظائف الجديدة التي ظهرت أمامه مع التدخل الإسرائيلي عبر عملية الليطاني عام 1978 ثم الاجتياح عام 1982، في وقت لم تتأثر بنية القوات نتيجة هذه التطورات أو غيرها، فهو الجيش الذي تم تحييده مع اتفاقية القاهرة 1969 الذي سمحت لمنظمة التحرير الانتشار في جنوب لبنان بعد خروجها من الأردن، فعمل المؤسسة العسكرية اللبنانية لم يكن يواجه التحولات داخل الطبقة السياسية، إضافة للتحولات في طبيعة الانقسام السياسي سواء خلال الحرب اللبنانية أو بعدها، في وقت بقيت النظرة إلى الجيش اللبناني كمؤسسة قادرة على حفظ التوازن الطائفي بالدرجة الأولى.

تحولت الوظائف التي يترتب على الجيش اللبناني القيام بها، فهو رغم عدم دخوله في صراع مباشر مع "إسرائيل"، لكنه أصبح بعد ظهور المقاومة اللبنانية، وبالذات حزب الله، مضطراً لضمان توازن عسكري  وليس سياسي، فبعد اتفاق الطائف كانت المهمة الأساسية هي التنسيق مع جهتين: الأولى هي وحدات الجيش السوري، والثانية المقاومة اللبنانية، ولكنه ومنذ عام 2006 أصبح الأمر أكثر تعقيداً، حيث اضطر إلى تعبئة الفراغ الذي خلفه انسحاب الجيش السوري، وفي المقابل فإن نوعية المعركة بين المقاومة و "إسرائيل" اختلفت تماماً فهي شملت كل لبنان، وبات بقاء الجيش كقوة ضمان داخلي أصعب بكثير من عشية تأسيسه عام 1945.

الوظيفة الإضافية التي برزت مع اندلاع الأزمة السورية هي موضوع الإرهاب، فهو لم يعد مجرد مجموعات متنقلة بل انتشر بقوة في البقاع والشمال، و وجد الجيش نفسه في موقع صعب مع الصادام العنيف الذي شهدته لبنان ما بين "جبهة النصرة" و "حزب الله"، كما عانى من الاعتداءات المتكررة دون أن يستطيع التحرك بحرية ليس فقط بسبب عتاده ولكن بسبب التوازنات السياسية القائمة، فإعادة هيكلته ستغير من وظائفة وهو أمر غير متفق عليه داخل المجموعات السياسية – الطائفية في لبنان، بينما تبقى مسألة التسليح أيضا ضمن نفس الإطار بسبب المواقف الإقليمية والدولية من التوازن اللبناني.

الجيش بين هبتين

بعد الهبة السعودية للجيش اللبناني التي دفعت برئيس الوزراء السابق سعد الحريري للعودة إلى لبنان، قبل أن يغادرها مجدداً إلى فرنساً، جاء العرض الإيراني ليثير جدلاً واسعاً، ورغم أن هذا الأمر ليس جديداً، حيث سبق أن عرضت موسكو صفقة طائرات ميغ 29 وعطلها المناخ السياسي، إلا أن العرض الإيراني يأتي للتعامل مع أزمة حادة يعيشها الجيش في صراعه مع المجموعات الإرهابية المسلحة، مما دفع وزير الدفاع اللبناني، سمير مقبل، لزيارة طهران لمناقشة تفاصيل المنحة العسكرية التي أعلنتها طهران.

عملياً فإن العقوبات على إيران كانت من أولى الذرائع التي قُدمت من أجل عدم التعامل مع "الهبة الإيرانية"، فالجناح السياسي المقابل لحزب الله يعرف أن إيران عبر عرضها العسكري تسعى لتخفيف الضغط عن حزب الله، وإيجاد مكان مشروع لها في لبنان يعطيها ثقلاً إقليمياً جديداً، فالسيناريو إيراني يقوم على "تشكيل تحالف إقليمي"، ولبنان بلد مهم بالنسبة لإيران، ومحاولة ضمه إلى خيار التحالف الإقليمي لا يتحقق بدعم حزب الله، وإنما بدعم مؤسسة أمنية عسكرية رسمية هي الجيش اللبناني، وفي هذه الحالة فإن المعركة الآن ليست بين صورة التحالف الإقليمي والتحالف الدولي الواقعي، بقدر ما هي معركة بين إيران وتركيا والسعودية، على كسب دول على "هامش الصراع" داخل سورية.

وويواجه السيناريو الإيراني والمنحة العسكرية عثرات إقليمية، فدستورياً، لا يستطيع وزير الدفاع اللبناني قبول الهدية الإيرانية، حتى لو كان الجيش يحتاج إليها، وهو مضطر إلى نقل مباحثاته مع المسؤولين الإيرانيين إلى طاولة مجلس الوزراء اللبناني، ليتم الإقرار بالإجماع على قبولها، ورفض وزير واحد كفيل برفض الهبة الإيرانية، والجدل اليوم حول خرق العقوبات على إيران من خلال الهبة العسكرية يستند في بعض جوانبة إلى أن الحظر يمنع طهران من بيع وتصدير الأسلحة بمقابل، ولكن المنحة العسكرية هي هبة من دون مقابل، لكن نقاش خرق العقوبات يبدو شأناً هامشياً أمام ما تثيره الهبة الإيرانية إقليمياً، فربما تظهر اعتراضات سعودية، وهي التي قدمت في السابق هبة مماثلة للجيش اللبناني، فضلاً عن توقعات باعتراضات أميركية في وقت ستقلق فيه واشنطن على حليفتها إسرائيل المجاورة للبنان؛ مما سيجعل من إعادة هيكلة الجيش اللبناني مسألة إقليمية بامتياز.

ورغم أن السيناريو الإيراني مفتوح من الناحية العسكرية، فهو لم يضع حدوداً في مسائل التسليح، إلا أن مسار الهبة السعودية هو الأكثر تجذراً داخل المناخ السياسي اللبناني، فهذه الهبة أوكلت فرنسا ولو بشكل غير مباشر للتعامل معها، ويبدو لافتاً أن تعود فرنسا إلى التعاطي المباشر مع الشأن اللبناني بعد 97 سنة على تفاهم ممثلها، جورج فرنسوا بيكو، وممثل بريطانيا، مارك سايكس، على إقامة كيان "لبنان الكبير" (في سياق تقاسمهما لتركة الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط)، لكن هذه العودة تبدو مشروطة بظرف إقليمي فهي تتم وفق أمرين:

  • تمويل عربي محدد الأهداف من خلال الهبة السعودية، ومع موافقة أمريكية بأن يكون العتاد فرنسياً، وهذه الموافقة وإن جاءت ضمنية لكنها تعني أن فرنسا ستتصرف في لبنان بموجب وكالة عربية – أميركية، وهو تحد ستواجهه باريس لوضع ضمن نطاق الغرب وليس لروسيا وإيران، في أي تسوية شاملة لأوضاع الشرق الأوسط.
  • الالتزام بالوظائف القديمة للجيش اللبناني، فالمسألة هنا هي التحرك ضمن نطاق فرض الشرعية في مواجهة الإرهاب، وليس الالتزام "باستراتيجية دفاع وطني" تضع الجيش اللبناي بعتاده العسكري في مواجهة "إسرائيل"، أو حتى انخراط فصائل المقاومة ضمن تشكيلات الجيش.

ربما يبدو الجيش اللبناني صورة عن التكوين المعقد للسياسة في هذه البلد – لبنان –  إلا أنه في النهاية يواجه حالة استثنائية وضمن ظرف لا يوجد في أي دولة أخرى، وتمسك اللبنانيين فيه لا يكفي كي يستطيع الحفاظ على التوازن السياسي القلق في البلاد، فالحفاظ على سيادة لبنان لم يعد يحتاج لعتاد فقط بل لمنح الجيش مساحته الحقيقية خارج الشروط السياسية المفروضة من طرفين منقسمين وغير قادرين على تحقيق إدارة سياسية فاعلة للبنان.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة