معهد ليفانت للدراسات

الجغرافية الرخوة والتوازن الاقليمي بين غزة وعرسال

الجغرافية الرخوة والتوازن الاقليمي بين غزة وعرسال
أغسطس 14
19:43 2014

لم تعد مساحة بلاد الشام تحمل توتراً عادياً، فانفجار الوضع اللبناني ولو لأيام يحمل مؤشراً على التصعيد وهو السمة الغالبة على كل الأزمات، كما يقدم صورة غير مسبوقة لطريقة استيعاب التصعيد؛ في وقت تبدو فيه "غزة" وكأنها نقطة انطلاق لآليات مختلفة في "إطفاء" الحرائق المشتعلة على طول شرقي المتوسط، فهل يمكن ربط أحداث عرسال بباقي الأزمات؟

وإذا كان مسلحو عرسال هم القاعدة الخلفية لمسلحي القلمون السورية؛ فهل يمكن استيعابهم على طريقة التوازن السياسي في لبنان؟

 الصورة الأولية توضح أن مسألة عرسال يمكن أن تصبح حالة عادية، فتستطيع الدولة اللبنانية تجاوزها واستيعاب نتائجها من خلال التكثيف للأدوار السياسية، وعلى الأخص الدور السعودي، ولكن في المقابل فإن الواقع على امتداد الحدود السورية – اللبنانية يبدو أنه مؤهل لتحولات كثيرة على المدى القريب والمتوسط، فهذه الحدود لم تكن شرايين تهريب فقط وفق بعض التحليلات الإعلامية، بل كانت أيضا حالة تعويض سياسي واقتصادي بالنسبة لأي فريق سياسي لبناني يجد نفسه في موقف حرج، فعرسال كانت تقليدياً حليفاً للمقاومة الفلسطينية، وفي المرحلة الحالية تشكل قاعدة ارتكاز للضغط على قوى 8 آذار، وفي المقابل فإن المعارك في جرودها تغير من السمة السكانية لتلك المنطقة، حيث أصبحت جبهة عسكرية غير رسمية لجميع الأطراف.

عرسال معارك الهامش السياسي

عكست "عرسال" منذ النصف الثاني للقرن الماضي نوعية الصراع الدائر في المنطقة، فهي رغم عدم قدرتها على الحضور بقوة في المشهد السياسي، لكنها في المقابل كانت نقطة العبور ما بين طرفي الصراع الإقليمي، فهي تقع بين تلال عدة في سلسلة جبال لبنان الشرقية على ارتفاع 1500 متر تقريباً، ما جعلها تاريخيا في عزلة نسبية عن محيطها في البقاع الشمالي المنتشر على الطريق الدولية الواصلة بين بعلبك وحمص، حيث تبعد عن بعلبك مركز القضاء حوالي 38 كيلومترا، وعن زحلة مركز محافظة البقاع 75 كيلومترا، ويفصلها عن بيروت 122 كم، وتشترك مع سوريا بخط حدودي طوله50 كم، وكل هذه التفاصيل الجغرافية جعلتها موقعا قابلاً لتكوين ضغط سياسي باتجاه أطراف الصراع الإقليمي كونها تملك امتداد سورياً ولبنانياً، وتعتبر "محصنة" وقادرة على التعامل مع معادلات مختلفة عن القرارات السياسية ما بين سورية ولبنان، ويتضح هذا الأمر من خلال ثلاث أمور أساسية:

–       سياسيا كانت عرسال تتجه نحو الموقف العام الضاغط ضد الحكومة في بيروت طوال مرحلة "الخمسينيات والستينيات" القرن الماضي، وربما يكون هذا الاتجاه متوافق مع ما يسمى "التيار السني" في لبنان، كما ظهر عدد لا بأس به من أبنائها في حركة التحرير الوطني الفلسطيني في سبعينيات القرن العشرين، لكن وجودها التقليدي مع "التيار السني" لم يمنحها ضمن الدولة اللبنانية موقعا مختلفا داخل الخارطة السياسية، بل بقيت ضمن سياق الحالة العامة لأطراف المركزين الأساسيين: بيروت وطرابلس.

–       اجتماعيا لم تسجل عرسال حتى عام 2014 أي تحول جوهري في التمرد على العاصمة، أو حتى في التعامل مع واقعها الجغرافي بقوة، رغم انها وطوال الأزمة سورية لعبت دورا ضاغطا تجاه دمشق؛ من خلال استخدام طبيعتها كقاعدة دعم لوجستي، لكن علينا هنا التركيز على أن مدينة طرابلس كانت هي "المحور السياسي" في هذا الموضوع وليس "عرسال"، فحتى عمليات اللجوء المبكر ما بين عامي 2011-2012 كانت من خلال المعابر اللبنانية الشمالية.

–       اقتصاديا تبدو عرسال ضمن موقع حرج، فالموارد الأساسية لها هي عبر عمليات التهريب ما بين سورية ولبنان، وخلال الأزمة السورية أصبحت هذه الموارد مرهونة بنوعية الصراع في سورية، وهو ما حولها وبسرعة إلى قاعدة للمسلحين مع تحول "التجارة" فيها نحو تهريب السلاح وربما المقاتلين أيضاً.

   وتوضح الأمور السابقة أن عرسال هي جزء من "الحدود الرخوة" الموجودة ضمن تقسيمات بلاد الشام عموماً، فهي من حيث الجغرافية تشكلة المنطقة التي لا بد من تجاوزها ما بين سورية ولبنان، وهذا التجاوز هو بالمعني السياسي يأخذ بعداً مختلفاً، ففي النصف الثاني من القرن العشرين كان عبوراً من سورية نحو الصراعات السياسية داخل لبنان، ومع بداية العقد الثاني من القرن الحالي أصبح باتجاه معاكس فهو للضغط على سورية وعلى حلفائها في لبنان، ولكنه في النتيجة النهائية يشكل نقطة التبادل في القوة ما بين البلدين، فعرسال نفسها كانت مشكلة قبل وخلال حرب عام 2006 لأنها تشكل إحدى المنافذ وفق التقارير الغربية لنفاذ السلاح إلى حزب الله، ويبدو اليوم أن كافة الجبهات المشتعلة على طول الحدود اللبنانية – السورية تقوم بإغلاق خطوط إمداد حزب بالله بالسلاح، وهذا الأمر كان سببا كافيا لرفع درجة التصعيد في عرسال وغيرها.

عرسال.. غزة.. والنموذج

    جغرافياً وتاريخياً لا يوجد أي مقاربة ما بين عرسال وغزة، لكنها يقدمان اليوم نموذجاً في عملية "تليين" المواقف على المستوى الإقليمي، فغزة وعبر مفاوضات القاهرة هي بوابة استرجاع عملية التسوية لموقعها في الخارطة السياسية للشرق الأوسط، وعرسال كانت أيضا نقطة التحول باتجاه محاولات إيجاد حلول للأزمة السياسية على مستوى الفراغ الرئاسي اللبناني، ورغم تفاوت الشدة في العنف ما بين المنطقتين لكنهما لعبتا دوراً وظيفياً في تليين المواقف السياسية، وربما تم استخدام واقعهما الخاص من أجل "إدارة الأزمة" في لبنان، وموضوع التسوية على المستوى الفلسطيني.

إن نموذج التصعيد المتبع في كلا المنطقتين لا ينقل فقط آليات سياسية، لكنه أيضا يدفع نحو قراءة الحدود السياسية بشكل مختلف، ففي كل من غزة وعرسال نلاحظ ثلاث أمور:

–       استخدام "الجغرافية الرخوة" للمناطق الحدودية من أجل اللعب بالتوازن الإقليمي عموماً، ففي عرسال نشأت بعد معاركها نقاط تقاطع ما بين السعودية وإيران، وفي غزة ما بين السعودية وكل من قطر وتركيا، فبناء التسويات يمر على تلك الجغرافية الخاصة سواء كانت مهمة، كما في غزة، أو مهملة كما في عرسال.

–       التعامل مع "الصراعات الهامشية" كما في عرسال كنقاط مركزية في إدارة الصراع بشكل عام، فاشتعال "طرابلس" مثلاً لم يستدعي تدخلاً سعودياً مباشراً، رغم أنها تعتبر نقطة الثقل بالنسبة للمنظمات الإرهابية، بينما أفضت معارك عرسال إلى الدخول في احتمالات سياسية جديدة.

–       في كل من غزة وعرسال هناك استراتيجية "إرباك الحليف"، حيث بدت "إسرائيل" وحتى السعودية مربكتان من عدم الإمكانية في السيطرة على الصراع، وينطبق الأمر على عرسال الذي أوجد نوعا من الارتجاج في الأوساط السياسية الحليفة للولايات المتحدة، وهو ما أفضي في النهاية إلى نوع من تليين المواقف لدى كافة الأطراف.

بالتأكيد فما بين عرسال وغزة مناطق أخرى متوترة وتشهر تصعيداً عسكرياً عنيفاً، أغلبها تقع على الحدود السياسية، مثل جبل سنجار أو درعا أو باقي مناطق الحدود الشمالية لسورية، وليس بالضرورة أن يشكل نموذج "عرسال – غزة" مخرجا لها، لكن في المقابل فإننا نقف أمام واقع جديد في إدارة الأزمات على طول شرقي المتوسط، وهي إدارة تعرف تماماً كيف تتعامل مع الجغرافية من أجل رسم مساحة الصراع في المنطقة، أو حتى للوصول إلى تسويات مؤقتة يمكن أن تنفجر لاحقاً، إلا أنها تحقق الأغراض الآنية لـ"إدارة الصراع".

 

 

تقارير ذات صلة