معهد ليفانت للدراسات

الجبهة ونقيضها… سيرة السلطة والظلّ

الجبهة ونقيضها… سيرة السلطة والظلّ
أكتوبر 02
11:15 2018

انكمشت حياة المدينة السياسيّة، تراخت مفاصلها وسكتت منذ شتاء البعث عام 1963، ووصوله إلى السلطة في سورية والعراق، بعدما قدّمت انتخابات عام 1961 البرلمانيّة حزب البعث كثالث أكبر كتلة نيابيّة بعشرين عضواً، منافساً بها الأكثرية التقليديّة لحزب الشعب، والحزب الوطني. غير أن تلك الدراماتيكيّة السياسية لم تكن كافية لإرضاء وفرة الطموح لدى ضباط البعث القادمين من الأرياف الفقيرة في استفاضات توقهم إلى مزيدٍ من السلطة.

ومع تمكّن حزب البعث من حكم سورية، كانت المدينة بمعناها السياسي تتقلص، بعدما اتجهت المنتديات الفكريّة والثقافيّة إلى برّ الصمت، وتراجعت الحريّات على صفحات الجرائد قبل إغلاقها، وتعثّرت المظاهرات بقانون الطوارئ، وصارت مقاهي العاصمة عناوين إضافية للإفلاس والخيبة، وخلال عقدٍ واحد من حكم البعث، صارت المدينة السوريّة بلا مخيّلة إبداعيّة، وانهمكت السلطة الناشئة حينها بترتيب البيت الداخلي، وتطويع المجتمع عبر اقتباساتٍ سياسيّة خارجيّة جرى تفصيلها على المقاس المحلّي، أهمها طاولة الأحزاب التي بايعت انتصار حزب البعث في آذار من عام 1972،  وصار اسمها «الجبهة الوطنيّة التقدميّة».

الحزب وظلّه… الجبهة والتجمّع

حملت رياح «الجبهة» باكراً فكرة الانشقاق، ورمتها داخل البنى التنظيميّة للأحزاب السوريّة المفتونة أغلبها بالمد العروبيّ، والاشتراكيّة الناصريّة، بحيث انقسم كلّ حزبٍ إلى تشكيلين أو أكثر، أحدهما موالٍ لـ «النظام» يجلس معه في اجتماعات القيادة المركزيّة للجبهة، ليساومه على مزيدٍ من المقاعد الوزارية، والمكاسب الشخصية، ويعلن عروبة فلسطين في نصٍّ خطابيٍّ لا يتبدّد، وتشكيلٌ آخر انضمَّ إلى «التجمّع الوطني الديمقراطي» في أول نواةٍ متماسكة تعارض حكم حزب البعث لسورية، وهذا الأخير يعد اندماجاً براغماتيّاً نادر الحدوث، لكنه حدث واقعيّاً بين قطبين سياسيين الأول ألّفهُ حزب البعث المؤسس منذ العام 1947 على يد ميشيل عفلق، وزكي الأرسوزي وسواهم، حين اندمج مع الحزب العربي الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني عام 1938، ليصيرا معاً «حزب البعث العربي الاشتراكي»، والذي يقابله في التجمع الوطني الديمقراطيّ «حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي» بمنهجه الماركسيّ اللينينيّ، والذي يترأسه وزير الخارجيّة السابق د.إبراهيم ماخوس.

هذا الانشقاق الدراميّ امتد إلى باقي أحزاب الجبهة، فانقسم الشيوعيون في العام 1972 بين المؤيدين لخالد بكداش أمين عام الحزب منذ تأسيسه سنة 1935، وبين أنصار رياض الترك بحيث أنتج انشقاقهم ما يسمّى «الحزب الشيوعيّ- المكتب السياسي» وتحوّل فيما بعد إلى تيّارٍ سياسيّ بارز داخل التجمّع الوطني الديمقراطي المعارض، وغيّر اسمه عام 2005 إلى حزب الشعب الديمقراطيّ السوريّ. ثم تتابعت المشاهد الملحميّة لانقسام الجسد الشيوعيّ على طاولة الجبهة، فصار الحزب الواحد أحزباً جديدة اعتباراً من عام 1982، الحزب الأم تقوده أرملة الأمين العام السابق وصال فرحة بكداش، وجديد يتزعّمه مراد يوسف، وثالثٌ ظهر عام 1986، وحمل اسم الحزب الشيوعيّ السوري- يوسف فيصل، وحصّته ثلاثة نوّاب في مجلس الشعب.

كذلك لم يسلم الاتحاد الاشتراكي العربي ذو الصبغة الناصريّة من فروض الانشقاق الداخلّي، فقد تطوّعت قيادته للانقسام مرّاتٍ متتالية كان آخرها عام 1973، ليصير ما تبقى من الاتحاد الاشتراكي اثنين، اتحادٌ التصق بالجبهة وترأسهُ فوزي الكيّالي وحالياً يترأسه صفوان قدسي، واتحادٌ آخر صار معارضاً بزعامة جمال الأتاسي، ثم التحق بقوى التجمع الوطني الديمقراطي المعارض.

اللافت أيضاً أن تكون أغلب مكوّنات الجبهة السياسية مزيجاً هجيناً بين التيار الناصري، والتيار البعثي، وإن ظهرت بمسمّياتٍ عديدة، وحزب الوحدويين الاشتراكيين واحدٌ من بينها، حيث تأسس من قبل قياديين بعثيين عارضوا الانفصال تحت اسم الحركة الوحدويّة الاشتراكيّة، ثم بدّلت اسمها ليصير الطليعة الوحدويّة الاشتراكيّة، ومرّةً ظهرت باسم حركة الوحدويين الاشتراكيين، ومرةً ثانية باسم تنظيم الوحدويين الاشتراكيين، ولم تهجع أساريرها حتى صارت حزباً يحمل نفس الاسم، ومثلها في ذلك مثل حركة الاشتراكيين العرب التي تناوب على طهو مكوّناتها أسماءٌ سياسيّة لامعة من بينها عثمان الحوراني، وأكرم الحوراني، وهذه الحركة انقسمت كما غيرها من القوى السياسيّة إلى تيارين واقعيين، أحدهما حمل أوراق اعتماده إلى الجبهة وكان يرأسه عبد الغني قنّوت، والآخر طلب اللجوء إلى التجمّع الوطني المعارض وكان يتّزعمه عبد الغني عيّاش، لكن وبعد وفاة قنّوت عام 2001، أسس غسان عبد العزيز عثمان العضو في حركة الاشتراكيين العرب ما يسمّى بالاتحاد العربي الديمقراطي، وقد فاز حزبه بمقعدٍ جديد على طاولة الجبهة، لكنه لم يفز بأي حقيبةٍ وزاريّة، خلافاً لأحمد الأحمد الذي صار رئيساً لحركة الاشتراكيين العرب ووزيراً للإنشاء والتعمير. ثمّة أيضاً حزب العهد الوطني، وأساسه حزب الشباب المولود في حماه عام 1937 على يد عثمان الحوراني، وحالياً يعيش في الجبهة تحت اسم حزب العهد وأمينه العام غسان عبد العزيز عثمان.

وأخيراً لدينا الحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي، الذي انضم إلى نادي الجبهة عام 1988، والذي لم يبرأ من لعنة الانقسام، وعاشها بعد وفاة أمينه العام أحمد الأسعد عام 2001، وهذه المرّة دارت رحاها بين الوريث السياسي والابن الأكبر للأمين العام، وباقي أعضاء اللجنة المركزيّة للحزب.

صحف الجبهة والموت وتقاطعات أخرى

في شهر آذار من عام 2001، مات أمينان عامان لحزبين من أحزاب الجبهة، بفارق يومين فقط، بدا ذلك أشبه بمصادفة سينمائيّة متعجلة، لكنها حدثت واقعياً، والمشكلة ليست في تجديد قيادات تلك الأحزاب بقدر ما هي أزمةُ ثباتٍ أيديولوجيّ، وثباتٌ في منهجيّة قراءة الواقع المتبدّل سياسياً. إذ تدين أغلب أحزاب الجبهة إلى صرامة التشخيص الاشتراكي العروبي للحظة المتغيّرة بحواملها الاقتصاديّة الاجتماعيّة، تلك المفارقة التي تصرّ على تقديم أحزابٍ بعقلية قلم الحبر، والدواة، والورق الأسمر، وتجعلها تختبئ من وجهِ جيلٍ شاب لا تفارق أيديه الهواتف الذكية المتصلة بشبكة الإنترنت، جيلٌ موسومٌ بهمومٍ سياسيّة مختلفة كلّياً عن أحاجي الخمسينات، وقد تبلور بعضها خلال ما سمي «ثورات الربيع العربي»، مستبعدةً بذلك كل الرومانسيّة السياسيّة السابقة بأوهامها العروبيّة، وخيالات انبعاث جمال عبد الناصر أو كارل ماركس إلى الحياة مجدداً، فالسنوات الماضية كانت كفيلة لفهم مقدار الجدوى من الاحتفاظ بالشعارات المركزية الكبرى التي دارت حولها فلسفة أحزاب الجبهة، وصار من البديهيّ مناقشة واقعيّة الشعور العروبيّ بعدما أغلقت الدول العربية حدودها بوجه اللاجئين السوريين، أو أسكتتهم بإيوائهم إلى مخيّماتٍ من ورق.

ألم تنصرف الأنظمة العربية إلى شؤونها المحليّة وفق إملاءات مراكز القرار العالمي؟!  ثم تفرّج جميع العرب على خراب سورية، ولم ينتبهوا كيف استبدلت السياسة الدولية عبر مكائدٍ متلاحقة الصراع العربي الإسرائيلي بالصراع السنيّ الشيعيّ، وقد اختارت له ملاعب واسعة في سورية والعراق واليمن. ثم أنّ استمرار الحرب لا يمنع من إعادة النظر في المقولات السياسيّة الثابتة، بعدما تغيّر زمن الخمسينات بكل الشعارات التي استمالت أحزابه، والتي تبدو الآن فصاميّةً عن الواقع، عاجزةً عن قراءة هواجس الناس، أو حتى مجرّد الاقتراب منها، وبالأخص فئة الشباب بما تمثّله من فاعليّةٍ على الأرض، وعمليّاً هي التي تستحق أن يتوجّه إليها العقل السياسي في خطابه، وفي عمله أيضاً، وهذا الذي لا نجده في مساحة عمل الأحزاب السوريّة بصورةٍ عامة، حتى أن صحف أحزاب الجبهة لا تملُّ من تقليد المدارس الإعلاميّة الأكثر تقشّفاً، إذ تتشابه صحف «الوحدوي» و»آفاق» و»الميثاق» بقلّة جودة المحتوى الإعلامي من الناحية التحريريّة والإخراجية، ولديها أيضاً كلّ المنغّصات في التشابه والنمطية الممتدين إلى ما لا نهاية، على عكس صحف أخرى مثل «قاسيون» و»النور»، واللتين تحاولان تقديم مضمون إعلامي أفضل من سواهما، لكنه يظلُّ مضموناً إيديولوجياً حزبيّ الهوى في نهاية المطاف، ولا يمكن أن ينبعث أبعد من ذلك.

 في السنوات الماضية امتنعت السلطة عن تمويل صحف أحزاب الجبهة ما أدّى إلى انزلاقها صوبَ عجوزاتٍ ماليّة جعلتها تتسابق إلى حجز إفلاسها، وتعليق صدورها، في خطوةٍ لا تقلّ رمزيّةً عن إفلاس تلك الأحزاب داخل «الجبهة الوطنية التقدمية».

 

أيمن الشوفي | جريدة الايام | أبلول 2018 | alayam.sy

تقارير ذات صلة