معهد ليفانت للدراسات

الثقافة والفنون في سورية .. هل يعودُ الزمن الجميل ؟

الثقافة والفنون في سورية .. هل يعودُ الزمن الجميل ؟
مارس 27
17:38 2016

لم تترك السنوات الخمس الأخيرة في سورية مجالاً إلا وأثرت فيه بشكل مباشر وغير مباشر , وبالطبع لم يسلم القطاع الثقافي والفني في سورية من مفرزات وعوارض النزاع المستمر في سورية بل شهد كثيراً من المتغيرات والتداخلات التي غيّرت من طبيعته ومواضيعه .

شهدت السنوات الأخيرة ما قبل 2011 ازدهاراً غير مسبوق للثقافة والفنون في سورية , يعود ذلك للاستقرار المجتمعي الذي عاشته الدولة منذ بداية القرن 21 , حيث سعت القيادات والحكومات المتوالية للاهتمام بهذا القطاع نتيجة احتكار القطاعات الأخرى والتبدّل في صنع سياساتها , إن كان على المستوى الاقتصادي أو في قطاعات الشباب التي بدأت تشهدُ انفتاحاً جديداً .

تحتكرُ الدولة الثقافة وتدعمها ولايذهب الاحتكار هُنا إلى امتلاك كلّ المنصات الثقافية في السابق فقط بل تسعى الدولة من خلال وزارة الثقافة وما يتبعها من منشآت ثقافية ومعاهد عليا ومديريات إلى دعم الحركة الثقافية المحافظة وابقائها على الخط المرسوم والمقرر , كلّ شيء مباح عدا السياسة , حتى نقدُ الحكومة وسياساتها مباحٌ شرط عدم التطرّق للقيادات العليا المكرّسة دوماً في وعي السوريين منذ عقود أنها "قيادة حكيمة" .

بدأت تجربة المسلسل الشهير مرايا والذي كان يقدم في سلسلة متواصلة في ثمانيّات القرن الماضي ولحقتهُ عدّة أعمالٍ حاولت تقديم شيء مختلف ونقد السياسات الحكومة وبرز مسلسل بقعة ضوء ليمثّل تحدّياً ومرآةً لكثير من المشكلات التي يعانيها المواطن السوري في يوميّاته .

طرحت هذه الأعمال كثيراً من المشكلات الحقيقيّة إن لم تكن جميعها , لكنّ التعامل الرسمي مع هذه الأعمال لم يتعدى الاشادة بجرأتها والوعود التي لاتحقق , مسرحياتٌ وأعمال أخرى بقيت تثيرُ كثيراً من التحديات , ويشير بعض الخبراء إلى أن السماح لتلك الأعمال لم يكن إلا تنفيساً لمعاناة المواطنين وكان موظفاً في هذا الاتجاه فقط .

تلعبُ المنظمات الشعبية من شبيبة واتحاد طلبة وباقي النقابات دوراً كبيراً في استمراريّة الحركة الثقافية من خلال التدريبات المجانيّة التي تقدمها للراغبين والفرق الفنية التي تشارك بها في مهرجانات متواضعة على مستويات مختلفة , ويتحدثُ كثيرٌ من رودا الثقافة في سورية عن الدور الذي لعبته هذه التنظيمات في فسح المجالات أمامهم من خلال فرص مبكّرة .

بدأت منذ العام 2000 تظهر صالات الفنون والعرض الخاصة وبعض المشاريع الفنية الجديدة الشبابيّة والظواهر التي بدأت تأخذ أصداء شعبية تزيح الاهتمام عن المهرجانات الرسمية التقليديّة وتحوّل اهتمام الشباب باتجاه هذه الظواهر وبالأخص بعد افتتاح دار الأوبرا في 2004 والتي يطلقُ عليها في سورية دار الأسد للثقافة والفنون .

كانت المهرجانات والمعارض العربية والدولية تجذب كثيراً من المثقفين وتدفع الحركة الثقافية باتجاهات واسعة اقليمية وفي العام 2008 احتُفل على مدار العام بدمشق عاصمة للثقافة العربية وكانت السنة الأبرز في سورية على صعيد الفعاليات ومستوى الفعاليات والأموال الموظفة في الاحتفالية والشراكات التي جعلت من العاصمة قبلةً مفتوحة لكل الأنشطة , فقد شهدت كل المراكز الثقافية والمسارح ازدهاراً كبيراً وأصدرت كثيراً من المطبوعات وعقدت مؤتمرات ومهرجانات وحفلات كبيرة أشعلت الواقع الثقافي عدّة سنوات أخرى وامتد هذا النشاط حتّى بدأ الأزمة السورية في 2011 .

سارعت السفارات الأجنبية إلى اغلاق المراكز الثقافية التابعة لها بعد قرارات مختلف الدول باغلاق سفاراتها وسحب موظفيها من سورية , كما رفع دعم البرامج الممولة من الاتحاد الاوروبي أو استمرت المشاريع القديمة فقط وانكفأت المنظمات الدولية والجهات المختلفة عن رعاية ودعم الأنشطة الثقافية وكانت الجهة المستمرّة الوحيدة هي الحكومة والمنظمات الشعبية وبعض المشاريع الشبابيّة للهواة .

خلال سنوات النزاع الخمس غادرت أعداد كبيرة من الفنانين والموسييقيين والكتّاب سورية وسرعان ما بدأت اصطفافات سياسيّة تأخذ دوراً كبيراً في تواجد هؤلاء في سورية أو خارجها وباتت قوائم العار والشرف توزع بين الفنانين بحسب انتماءاتهم .

بقي النشاط الثقافي مستمرّاً ولو خجولاً في معظم المحافظات وبالأخص تركز في العاصمة التي لم تنقطع المسرحيات والموسيقى عن مسارحها خلال الخمس سنوات , ويرى البعض أن الأزمة كانت فرص لأجيال شابّة لتستطيع استخدام هذه المسارح والغاء احتكارها من المثقفين التقليديين ولو على حساب جودة العروض المقدّمة .

أغلقت كثير من مقاهي وصالات الثقافة وكانت الفرص المتاحة في المقابل هي الشوارع لعرض نتاجات ثقافية , فقد برزت عدّة مشاريع شبابية تشغل فجأة الشوارع بموسيقا وعزف وربما لبعضهم جانب اجتماعي حاول تقديم الهدايا للأطفال فكانت عروض ايجابيّة تحاول اعادة الحياة إلى شوارع العاصمة واعادة الفرح للسوريين بعد سنوات من النزاع .

وبالطبّع استمرّت المهرجانات التقليدية والمنظمات في خططها وإن كانت الاموال المخصصة في هذه الاتجاهات قلّصت لصالح أولويات حكوميّة أخرى .

تنتظرُ الحواضن الثقافيّة كحال معظم السوريين انتهاء العمليات العسكرية , لتستعيد نشاطها الذي شهد فترات من الازدهار,  تنتظرُ فرصاً مناسبة لتعود وتبنى على مخلّفات الحرب ثقافة تعيد السوريون لشغل المسارح والمنصات الثقافية وامكانيّة تصدير هذه الثقافة وتحويلها لفرص جديدة للتحوّل واعادة البناء خلال السنوات القادمة .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة