معهد ليفانت للدراسات

التيار القومي في الأردن .. الانحسار ومتطلبات التغيير

التيار القومي في الأردن .. الانحسار ومتطلبات التغيير
ديسمبر 03
23:06 2016

توزع التيار القومي في الأردن تاريخياً على محاور ثلاث هي البعث بتلاوينه المختلفة، والقوميون العرب، والناصرية، كما عبرت عنه شخصيات وجماعات أقل وزناً وتأثيراً.

وبرغم أن النظام السياسي الأردني نهض على فكرة قومية أساساً "الثورة العربية الكبرى"، إلا أنه أخفق في بلورة تيار سياسي قومي يتخذ من "رسالته" مرجعية فكرية وسياسية، وهنا يتم الحديث عن غياب التيار وغياب الأحزاب على حد سواء.
 

على الصعيد الخارجي، ارتبطت معظم الأحزاب القومية داخل الأردن فكرياً وسياسياً، وتنظيماً ومالياً غالباً، بمراكز وحواضر قومية خارج الحدود كدمشق، وبغداد، والقاهرة، وهذا أمر طبيعي إذ طالما فعلت نظرية "المركز والمحيط" فعلها في السياسات العربية، الرسمية والشعبية، هذا الارتباط جعل الأحزاب القومية تفقد استقلاليتها إلى حد كبير، بل وأفقدها القدرة على الاحتفاظ بكينونة قائمة بذاتها، إذ ترتب على ذلك، التزام هذه الأحزاب بأجندات المراكز وأولوياتها، وغياب الأولويات الوطنية المحلية، كما ترتب على كل هذا وذاك، انحسار نفوذ هذه الأحزاب وتشققها وفقاً لخرائط الأحزاب الأم خارج الحدود الأردنية.
 

داخل المملكة، جرت محاولات كثيرة لإيجاد صيغ توحيدية للتيار القومي، ولكنها جوبهت بإشكاليات كثيرة؛ أهمها عدم إدراك واستبصار حالة الضمور والانحسار التي يمر بها التيار، وعدم استشعار الضرورة السياسية والتاريخية لدى  هذه الأحزاب والمنظمات والشخصيات القومية المستقلة التي انتسبت إلى هذا التيار وشاركت في بعض الحوارات حول الوحدة لأهمية الالتقاء على مسائل توحيدية، توفيقية، جامعة وكبرى، ترتقي إلى مستوى التحديات التي تواجه المملكة والمنطقة العربية في المرحلة الراهنة، ومحدودية الخيارات المتاحة في هذه المرحلة الصعبة التي تتطلب تجاوز العقبات والإشكاليات، وتوحيد الرؤى المتقاربة، وتجاوز مراحل الصراع والتنازع السابقة .
 

وتأتي الاختلافات الفكرية والتنازع حول المرجعية المطلوبة لمثل هكذا تفاهمات في المرتبة الثانية لجهة عقبات توحيد التيار القومي في الأردن، ذلك أن مدارس التيار القومي وأحزابه متعددة ونشأت على ضفافها فكريات وعصبويات مختلفة وأحياناً متضادة ، عرقلت ولا تزال تعرقل أي حديث عن تفاهمات في مجموع يقوم على التعددية والانفتاح والمراجعة الدائمة
.

بعض المراقبين من الداخل الأردني يرجع بالمشكلة لأسباب أخرى إضافية، تقف حجر عثرة في طريق التوحيد مثل السطحية والضحالة الفكرية لدى بعض الأحزاب والجماعات القومية، واهتراء الفكر وتآكله وتحوله إلى أقانيم وشعارات بالية وتحجر فكري، والعجز عن النقد والنقد الذاتي والمراجعة ورفع الحصانة عن الأفكار موضوع البحث، والاكتفاء بما كان من تاريخ وإنجازات، وافتقاد الرؤى المعاصرة والمستقبلية التي يمكن أن تؤدي إلى المراجعة والتغيير.
 

وتبقى مسألة الاختلاف حول المرجعية أو الاستئثار بهذه المرجعية والتعصب لها على حساب القضية القومية الكبرى التي ينادي بها القوميون الأردنيون، من بين الإشكاليات التي كانت ولا تزال تقف في طريق فتح فضاءات جديدة وجدية للتحاور والتوحد حول المسائل القومية الكبرى، وعلى طريق الالتقاء على تشخيصات واستبصارات جمعية ترتقي إلى مستوى الاستراتيجيات التي تتطلب تنازلات وتوافقات وقدرات على الخروج من العصبويات الحزبية والسياسية والدخول إلى صعيد جديد من الفهم المشترك للقضية القومية ومتطلباتها ، والتخلي عن كل ألوان التعصب والتزمت التي تقف حجر عثرة في طريق الالتقاء والتوافق .
 

يرى بعض القوميين الأردنيين بأن "التوحيد يكون فهماً واستعداداً نقدياً، واستجابة لمتطلبات مرحلة تاريخية معقدة وخطيرة ، ورداً على دعوات مشبوهة تسعى إلى تقويض الانتماء والمرجعية القومية، وتفكيك الأقطار العربية وإشاعة الشرذمة الفكرية والمجتمعية في كل صقع عربي تصل إليه هذه اليد"، فيما يرى البعض الآخر أن "القضية أكبر من أن تكون مسألة سياسية سهلة الطرح والتداول والتنفيذ، وأعمق من أن تكون  هدفاً عابراً وتكتيكياً لهذه الجهة أو تلك، وأبعد عن أن تكون عملية إنقاذ لبعض الجهات السياسية المتهاوية والآيلة للسقوط، أو ملهاة جديدة لأحزاب تريد أن تتخذ منها قناعاً وطريقة استخفافية للدخول إلى الملاعب السياسية التدليسية المفتوحة على مصراعيها لكل عابر سبيل  .
 

في النهاية، يبقى أن تراجع قوى التيار القومي في الأردن الأسباب الخارجية والداخلية التي أوصلتها إلى مرحلة التراجع على كافة المستويات، والتحلي بالمرونة اللازمة لمواكبة المستجدات السياسية داخل المملكة وخارجها، وإزالة هالة القداسة عن الأفكار والطروحات القديمة والجديدة، وإخضاعها للنقد والمراجعة، والتخلي عن التكتلات المنغلقة الرافضة للحوار، حتى بين القوى القومية نفسها، في سبيل توحيدها وجعلها قوة سياسية مؤثرة، وإلا فإن المستقبل لن يرحمها أبداً.
 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة