معهد ليفانت للدراسات

التقارب السوري الجزائري ..حراك دبلوماسي جديد

التقارب السوري الجزائري ..حراك دبلوماسي جديد
مايو 20
21:39 2016

على النقيض من مواقف الدول العربية، خاصة الخليجية، من الأزمة في سورية، لم تتسرع الجزائر في قطع علاقاتها مع الحكومة السورية، بل وأكثر من ذلك، حيث اتخذت الحكومة الجزائرية موقفاً بارداً اتجاه أحداث "الربيع العربي" بأكمله، في وقت تسابقت فيه دول خليجية وعربية في دعم "الثورات" بالمنطقة، الأمر الذي أسقط حكاماً، وأدخل دولاً في دوامات من العنف والفوضى.

 

وبرز إلى الواجهة خلاف الجزائر مع الدول الخليجية في معظم القضايا الراهنة في المنطقة، حيث تحفّظت بلد المليون شهيد على تصنيف جامعة الدول العربية "حزب الله" اللبناني منظمة إرهابية، ورفضت التدخل العسكري السعودية في اليمن، وامتنعت عن المشاركة في التحالف الذي تبنته المملكة، إضافة إلى احتفاظها بعلاقات جيدة مع القيادة السورية، وهي الدولة التي رفضت في السابق تجميد عضوية سورية في جامعة الدول العربية، وتصدت لمحاولات فرض عقوبات على الحكومة السورية ، كما أبقت على علاقاتها الدبلوماسية، ولم تغلق سفارتها هناك، رغم تردي الظروف الأمنية.
 

وفي خطوة أظهرت التقارب بين سورية والجزائر، ورغبة الطرفين بتعزيز التعاون وكسر الحصار الدبلوماسي الدولي المفروض على دمشق منذ فترة ليست قليلة، زار وزير الشؤون العربية والإفريقية الجزائري عبد القادر مساهل أواخر الشهر الماضي سورية، وهي الزيارة الأولى لمسؤول حكومي جزائري منذ 2011 في أعقاب اندلاع الأزمة السورية.
 

جاءت هذه الزيارة بعد أيام قليلة من زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم للجزائر، التي خرجت في أعقابها تسريبات عن أن العاصمة الجزائرية تشهد حراكاً دبلوماسياً في الفترة الأخيرة، تقوده الخارجية الجزائرية، لاقامة حوار بين دمشق وأنقرة حول ملف أكراد سورية، وبحسب هذه المعلومات سعت الجزائر بطلب تركي إلى تقريب وجهات النظر بين حكومة أردوغان والحكومة السورية للعمل على وقف إنشاء فيدرالية كردية في سورية.
 

ونقلت صحيفة "الوطن" الجزائرية عن مصدر دبلوماسي جزائري أن "الجزائر تقود وساطة سرية بين سورية وتركيا بطلب من أنقرة"، مضيفة أنه "على الرغم من العلاقات المتأزمة جداً، إلا أن الأتراك لديهم رغبة لتبادل الرؤى مع السوريين حول رغبة أكراد سورية في إنشاء إقليم فيدرالي مستقل"، فعلى الرغم من أن الحكومة السورية تبني تحالفاً تكتيكياً مع أكراد سورية، إلا أنها في مدى أبعد لا تتفق مع طموح الأخير في إنشاء إقليم مستقل لهم في سورية، لأن ذلك يعرض وحدة الأرض السورية للخطر.
 

وظهر من خلال التسريبات أن هناك مقابلاً ستقدمه أنقرة للجزائر، حيث يهمّ الأخيرة أن تقدم أنقرة مطالب لها في ليبيا، وعلى رأسها أن تعمل تركيا على حفظ مصالح الجزائر هناك، وذلك في ظل قلق الجزائر على مصالحها داخل جارتها ليبيا، التي بينهما حدود طويلة، وتشهد نشاطاً لمجموعات إرهابية في حالة حرب دامية مع الجزائر.
 

ويأتي الحراك السياسي المتبادل بين سورية والجزائر ليعطي إشارات إلى مدى الانسجام الجاري بين الحكومتين تجاه القضايا الإقليمية، رغم الضغوط الصعبة في المنطقة، لا سيما التي تفرضها دول الخليج على الدول العربية، التي لم تقطع علاقتها مع سورية حتى الآن، وفي الطرف الجزائري أيضاً يمكن النظر للزيارة على أنها تعبير عن لهجة تعكس بطريقة غير مباشرة ردّاً دبلوماسياً جزائرياً على تخندق دول التعاون الخليجي مع المغرب ضد ما تعتبره الجزائر الشرعية الدولية التي تتمسك بها في حل القضية الصحراوية من خلال استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي، حيث خرجت قمة خليجية مغربية، قبل أيام من زيارة المسؤول الجزائري لسورية، لتقف في مواجهة الرؤية الجزائرية في ملف الصحراء الغربية، وخرجت القمة ببيان دعمت فيه موقف المغرب في ملف الصحراء، مؤكدة موقفها الداعم لمغربية الصحراء، ومساندتها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المغرب كأساس لأي حل لهذا النزاع الإقليمي المفتعل، وهو الأمر الذي اعتبره سياسيون جزائريون موجهاً للجزائر.
 

وقد قال سفير الجزائر السابق في دمشق  كمال بوشامة في تصريحات صحفية تعليقاً على زيارة المسؤول الجزائري لسورية، والخلاف الجزائري السعودي، بأن بلاده لا تخاف من السعودية عندما تقرر التقرب من النظام والشعب السوري، موضحاً أن الزيارة تدخل في إطار الدعم اللامشروط للدول العربية التي تعاني من الغدر، وتحارب من يريد تقسيم ترابها.
 

جميع المؤشرات تذهب باتجاه دور بارز للجزائر للوساطة من أجل التوصل لحل سياسي للأزمة السورية، يجنّب المنطقة حرباً إقليمية ممتدة، فالجزائر تملك من الرصيد الإستراتيجي ما يؤهلها للقيام بمبادرة دبلوماسية لحل الأزمة السورية، منها أن الجزائر هي دوماً الأقرب إلى سورية، والأقدر على فهم ما يجري فيها، انطلاقاً من تجاربها التاريخية المشابهة لما حدث ويحدث في سورية، خاصة تجربتها الكبيرة في مجال المصالحة الوطنية، كما أن الجزائر تتبع دائماً سياسة مرنة في علاقاتها الدولية والإقليمية،  لذلك فإنّ علاقاتها القريبة مع مختلف الدول يسهم في حلّ المشكلات والتقريب بين وجهات النظر المختلفة، كذلك فإن سياسة الجزائر تقف على مسافة واحدة من كافة أطراف الأزمة السورية، وهذا الموقف يمكّنها من طرح المبادرات والرؤى والتعامل مع كافة الأطراف بدون أيّ حساسيات.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة