معهد ليفانت للدراسات

التفجيرات في الساحل السوري .. رسالة إلى روسيا ؟

التفجيرات في الساحل السوري .. رسالة إلى روسيا ؟
يوليو 06
11:23 2016

أثارت تفجيرات جبلة وطرطوس، التي هزّت المدينتين الواقعتين على الساحل السوري، قبل شهر، وأسفرت عن وقوع أكثر من 400 قتيلًا ومئات الجرحى، العديد من التساؤلات حول توقيتها ودقة التنفيذ والجهة التي تقف خلفها، ورغم تبني تنظيم "داعش" العملية إلا أن الكثير من المراقبين المختصين شككوا في وقوف "داعش" وراء التفجيرات، ورأوا أن وراء ماحصل جهات خارجية واستخبارات دول ونوايا سياسية.
 

فما هي أهداف التفجيرات التي ضربت طرطوس وجبلة ؟ ولمن وجهت هذه الرسائل الدموية ؟ هل هي رسالة إنذار لروسيا أولاً ؟
 

لاشك أن لتفجيرات جبلة وطرطوس هدف مهمّ كاد يتحقق مع الساعات الأولى التي أعقبت التفجيرات، لولا تدخّل العقلاء، هو إثارة فتنة طائفية بين سكان منطقة الساحل ذات الغالبية العلوية، والنازحين إليها من المحافظات الأخرى من الطائفة السنيّة، وتحويل المنطقة الساحلية إلى حمام دم، يعقّد الأمور ويحوّل الساحل إلى بؤرة جديدة للإرهاب والفوضى، ومعه يتحقق هدف آخر، حيث تصبح القواعد الروسية في مواجهة الإرهاب برياً وجهاً لوجه وتضطر للتدخل البري لحماية قواعدها، وهذا ليس في صالح لا روسيا ولا سورية.
 

التفجيرات جاءت مترافقة مع تهديدات روسية ضد فصائل المعارضة المسلحة في حلب ومحيطها ومختلف الجغرافية السورية الذين خرقوا الهدنة، وأيضاً هذه التفجيرات ترافقت مع تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بالخطة "ب"، حيث أن الرياض وحلفاءها عطلوا مسيرة جنيف لمحادثات السلام انتظاراً لتغيير توازنات القوى.
 

وزير الدفاع الروسي أنذر الأمريكيين قبيل التفجيرات بأن روسيا ستبدأ بشكل منفرد بقصف المسلحين غير المتعاونين اعتباراً من 25 أيار، يبدو أن الأمريكيون وحلفاءهم أرادوا أن يبلغوا الروس رسالة مفادها "نحن هنا بالقرب من قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية"، وبالمقاربة مع توقيت تفجيرات طرطوس وجبلة قبل يومين من تنفيذ الروس لإنذارهم، يمكن التكهن بأن من يقف خلف التفجيرات ليس مجرد مجموعة مسلحة محلية، سواء كانت أحرار الشام أم "داعش"، وإنما تقف خلفها استخبارات دول وجاءت بقرار خارجي لخلط الأوراق.
 

السنوات الخمس الماضية شهدت كثيراً من الاستهتار الأمني، نتيجة توافر الأمان والثقة بأن الفوضى لا تصل إلى طرطوس خاصة، التي لم تخرج عن سيطرة الحكومة أبداً منذ اندلاع الأحداث في آذار عام 2011، لكن التفجيرات جاءت لتنشر الرعب بين سكان الساحل، وتزيد تخوفهم من أي انفلات أمني محتمل، وقد توقفت الحياة في مدينتي طرطوس وجبلة عدة أيام بعد الواقعة، وزاد قلق السكان من تكرار التفجيرات تشديد القوات الحكومية إجراءاتها الأمنية، ومعها كانت الإشاعات تجتاح الشارع، وخوف الشارع الساحلي من وجود خلايا نائمة لتنظيمات متطرفة تنفذ عمليات انتقامية ضد سكان المحافظة الموالين للحكومة السورية بات أمراً واقعاً.
 

يمكن إجمال الأهداف المباشرة وغير المباشرة للتفجير، التي أرادها المنفذون من تلك العمليات تحقيقها، فهي أولاً نشر الذعر وخفض المعنويات بين الأوساط المؤيدة للدولة السورية والجيش السوري، ثانياً تعزيز القول بأن هناك حرباً مذهبية في سورية، ثالثاً محاولة خلق فتنة طائفية من أجل قلب الأمور وخلطها وذلك من خلال استهداف مناطق ذات مدلول ديموغرافي معين كجبلة وطرطوس لاستجرار أهالي المنطقة إلى ردات فعل ضد اللاجئين لديهم من المحافظات الأخرى ليتم بعدها تسويق ادعاءات مفادها بأن طائفة إسلامية يُقال أنها أكثرية في سورية يتعرض أبناؤها اللاجئون للإبادة والقتل ما يستدعي استنفار الأنظمة الإقليمية التي تحمل "لواء السنة" ومعهم حلفاؤهم في الغرب من أجل تحريك قضية جديدة ضد سورية .
 

التشكيك في تبني "داعش" للتفجيرات جاء بسبب عدم تواجده أو أي من التنظيمات التابعة له في المنطقة، ومن الناحية النظرية، ليس بإمكانه توفير القدرات اللوجستية والعناصر البشرية لتنفيذ مخطط بالغ الدقة في أماكن بهذه الحيوية والحماية من قبل القوات الحكومية، ومن ناحية أخرى، أثار بيان التبني الذي نشره "داعش" العديد من التساؤلات بسبب الصياغة والمصطلحات المستخدمة فيه، واللغة والمضامين السياسية والرسائل الترهيبية التي يحاول بثها عادة، واستعماله كلمة "علويين" هذه المرة، رغم استخدامه كلمة "نصيريين" في كل البيانات السابقة التي أشار فيها إلى الطائفة.
 

فرضية أخرى مبنية على معطيات تقول أن حركة "أحرار الشام" على الأغلب هي من نفذت العملية، بالمنطق فإن "أحرار الشام" هي الأقرب جغرافياً لتنفيذ تلك الهجمات، حيث تتركز تلك الحركة في إدلب وحلب وتنتشر خلايا نائمة لها في بعض مناطق الساحل، لكنها رفضت تبنيها رسمياً خوفاً على الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة وروسيا من الانهيار، والعودة للاقتتال العنيف في كل خطوط التماس، الأمر الذي لا تريده فصائل معارضة في عدة مناطق، ومنها من يتلقى تعليماته من واشنطن، وفي حال تبني "داعش" أو "جبهة النصرة" للعملية، تتفادى الحركة انهيار الهدنة لأن التنظيمين غير مشمولين بها، ويكفي أن تحدث التفجيرات لتصل الرسالة التي يرد حلفاء المعارضة في الإقليم والغرب إيصالها للحكومة السورية وحليفتها روسيا.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة