معهد ليفانت للدراسات

التعليم بعد الأزمة

فبراير 09
23:26 2014

تطرح الكثير من المنظمات الدولية واقعا خاصا للأزمة السورية وذلك في مقاربة بعيدة عن الصراع السياسي، أو حتى الأحداث التي تتسارع دوليا وإقليميا ومحليا، فسورية ضمن جانب واحد على الأقل ستحتاج لجهود نوعية من أجل التعامل مع جيل أصبح بعيدا عن العملية التعليمية، في وقت أصبحت البنية التحتية للتعليم في سورية تحتاج لإعادة تأهيل في كثير من المناطق، فالمدارس وحتى "المدن الجامعية" يتم استخدامها كمراكز إيواء، وأما في المناطق الساخنة فمعظمها تحول إما لمشافي ميدانية أو مراكز عسكرية.
   عمليا فإن التقديرات الأخيرة للأسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا) تتحدث عن  تسرب نحو 38% من الطلاب خارج العملية التعليمية، فيما تظهر تصريحات صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) لتقول أن نحو 40 % من الأطفال السوريين تسربوا من المدارس، أي أنه ووفق اليونيسف فإن المدارس تستوعب نحو ثلاثة ملايين طالب من أصل خمس ملايين في سن التعليم للمرحلة الأساسية، وأن أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة تعرضت للتدمير أو لحقت بها الأضرار منذ اندلاع الأزمة، ونحو 900 مدرسة أخرى تشغلها عائلات لنازحين هربوا من أعمال العنف.
   ووفق آخر تقرير للأمم المتحدة والصادر في 13 كانون الأول من العام الماضي، فإن الأرقام حول قطاع التربية السوري اتجهت نحو صورة مأساوية، فاعتبر التقرير أن تدهور مستوى تعليم الأطفال السوريين هو الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة، في حين كانت تدل مؤشرات التعليم أن سوريا لديها أفضل تعليم في منطقة الشرق الأوسط، ويذهب التقرير إلى رفع التقديرات السابقة حول عدد الطلاب البعيدين عن العملية التعليمية، فهو يتحدث عن ثلاثة ملايين طالب تركوا المدارس، وأكثر من 4 آلاف مدرسة دمرت بالفعل، أو تضررت وتحولت إلى مأوى للنازحين.
ويوضح التقرير أن المناطق الأكثر تضررا في سوريا من ناحية التعليم هي الرقة وإدلب وحلب ودير الزور وحماة ودرعا وريف دمشق مشيرا إلى أن معدلات الحضور في المدارس انخفضت في بعض هذه المناطق إلى 6 في المئة. 
   وتتحدث التقديرات الرسمية عن أن القطاع التربوي خسر في العام 2013 مئة مليار ليرة سورية، أي ما يقارب نحو 670 مليون دولار أمريكي، وحسب تصريحات للدكتور هزوان الوز وزير التربية فإن القطاع التربوي فقد أكثر من 500 معلم ومعلمة ونحو 200 طفل، وتؤكد الاحصاءات السورية تقارير الأمم المتحدة بشأن خروج أربعة آلاف مدرسة من الخدمة" خلال 2013، ونتحدث عن وجود عدد من المدارس المتضررة التي لا يمكن الوصول إليها في الوقت الحالي لإصلاحها نتيجة الظروف الأمنية الراهنة، وتشير إلى أن وزارة التربية عملت منذ بداية السنة الدراسية الحالية على تأمين استمرار العملية التدريسية ونقل الطلاب والمدرسين من المناطق غير المستقرة إلى المناطق الآمنة. كما تم اتباع الدوام النصفي في المدارس، والاستمرار في التنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى لإيجاد بدائل مناسبة لإيواء الأسر المتضررة، وإخلاء المدارس وإعادتها إلى العمل التعليمي. 
   عمليا فإن النزوح الداخلي أدى لضغط على مدارس المناطق الآمنة، حيث تزايدت الأعداد إلى الضعف أحياناً، ووصل عدد التلاميذ في الصف الواحد إلى 90 تلميذاً، بعد أن كان وفق المكتب المركزي للإحصاء في الشعبة الواحدة 37 طالباً في عام 1998، و34 طالباً ما بعد الـ2000. وتبع ذلك مشكلات النقص الحاصلة في عدد المقاعد وعدد الكتب وأعداد المدرسين، فالكثيرين منهم لم يعد يحضر إلى العمل. ففي إدلب، مثلاً، انخفضت نسبة حضور المعلمين إلى 55%، بينما يزداد عدد المدرسين في المناطق الآمنة بنسب كبيرة.
   يضاف إلى الأضرار المباشرة  مشاكل من نوع خاص تتعلق بتسجيل الطلاب الوافدين من محافظات أخرى، إذ إن تدمير المدارس وحالات النزوح السريعة، أرغمهم وأهاليهم على المغادرة دون أن يكون لديهم مستندات متعلقة بوضعهم الدراسي، مما أجبر وزارة التربية على القيام بإجراء إداري مستحدث يتمثل بتزويد الطلاب المرغمين على نزوح قسري بورقة لا مانع من المدرسة التي يريدون الدراسة فيها، وموافقة مديرية التربية على التسجيل في هذه المدرسة، ليصار بعد ذلك إلى تجهيز سجلات مدرسية جديدة لهم، وترافق ذلك بطلب الوزارة من المعلمين والمدرسين العاملين في محافظات حلب وإدلب ودير الزور وأريافها وضع أنفسهم تحت تصرف مديريات التربية في أماكن اللجوء، ليصار إلى تكليفهم بالتعليم في مدارس تلك المديريات. وخلق هذا الأمر فائضاً في معلمي الأماكن الآمنة، يقابله نقص كبير في أعداد المعلمين في المناطق الساخنة، وهو ما ينعكس سلباً على العملية التعليمية بالنسبة إلى التلاميذ الذين لم تسمح لهم ظروف أهاليهم بالانتقال إلى مناطق أكثر أمناً..
   أما بالنسبة لمناطق اللجوء فيُظهر التقرير الخاص بالمفوضية العليا للاجئين، والصادر تحت اسم "مستقبل سوريا – أزمة الأطفال اللاجئين" أن عدد الأطفال الذين لا يحصلون على التعليم يفوق عدد الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة. فما يزيد عن نصف إجمالي عدد الأطفال السوريين، ممن هم في سن المدرسة، لا يحصلون على التعليم في الأردن. وفي لبنان، فما يقرب من 200,000 طفل سوري لاجئ ممن هم في سن المدرسة سيبقون دون تعليم حتى نهاية العام.
          ومشكلة التسرب التعليمي أو الهروب من المدارس ليست جديدة في سوريا، فالـ 1 % أو 1.5 % كانت النسبة المصرح بها في وزارة التربية السورية، لكن النسبة وفق بعض الخبراء ليست دقيقة فأغلب المناطق الريفية من جنوب درعا وحتى شمال حلب، ومن الريف الساحلي وحتى منطقة الجزيرة، تحوي فيها أعداد كبيرة من الطلاب المتسربين من المدارس، ورغم قيام الحكومة السورية بإجراءات لمنع هذه الظاهرة وإصدارها القانون 32 عام 2002 الخاص بالعقوبات ودمج المرحلتين الأبتدائية والإعدادية للمرحلة الأساسية منعاً من تسرب العدد الأكبر في المرحلة الإعدادية، لكن نسبة التزايد السكاني الكبير والأوضاع الاقتصادية اضطر الكثير من الأطفال تحت سن الـ 15 سنة للدخول في سوق العمل، حيث كان في سورية قبل الأزمة 22500 مدرسة بقدرة استيعابية لخمسة ملايين تلميذ، بينما العدد السنوي للأطفال الذيبن يبلغون سن التعليم كان في تزايد، ويضاف هنا إضافة للوضع التربوي من نقص الكادر التدريسي والتعليمي والاعتماد على معلمين غير مؤهلين ومدربين على المناهج السورية الحديثة التي تحتاج للكثير من العمل من قبل المدرس والطالب، عدا عن المشكلات الاجتماعية في الأسرة الواحدة والأسر المفككة وغيرها.
ومن ناحية العمل خارج الأراضي السوري، حاولت عدد من الدول المجاورة لسوريا استيعاب العدد الأكبر من الطلاب، إلا أن الشعور بعدم الاستقرار والخوف من الغد والفقر وانخفاض قيمة المساعدات عدا عن غياب الأوراق الرسمية مروراً بالمناهج المختلفة واللغة الأجنبية الجديدة كالتركية جعل الكثير الطلاب ليجاد بدائل في الأعمال اليدوية البسيطة ليقتات وأهله.

 

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.