معهد ليفانت للدراسات

التعليم العالي أبرز ضحايا الأزمة السورية

التعليم العالي أبرز ضحايا الأزمة السورية
أغسطس 29
21:26 2015

شهد التعليم العالي في سورية خلال العقود الثلاثة الماضية ولاسيما العقد الأخير منها تطوراً ملحوظاً وملموساً في تطوير العجلة التعليمية، سواء من الجانب الكمي أو النوعي فقد أصبحت الجامعات السورية (الحكومية، الخاصة) تغطي معظم المحافظات السورية بل تعدى ذلك إلى دول خارج سورية من خلال التعليم الافتراضي (الجامعة الافتراضية)، وذلك رغم الصعوبات والتحديات الداخلية من فساد، ازدياد النمو السكاني، وضعف النمو الاقتصادي وغيرها من السلبيات التي اعترت الجانب التعليمي أو أثرت عليه بشكل غير مباشر، إلا أن الأزمة التي عصفت بالبلاد أوائل العام 2011 والعنف الذي تمخض عنها، والأعمال القتالية، كشفت عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العلمية بكافة مراحلها وجوانبها.‏

لم يكن التعليم العالي (الجامعي، المعاهد، الدراسات العليا، والهيئات العلمية) بمنأى عن تداعيات الأزمة، فقد تعرض لأضرار كادت أن تشل الحركة التعليمية، وإن كانت قد أوقفت التعليم في بعض جامعاته كجامعة الفرات، وكذلك لم يكن حال الطلاب الجامعيين أفضل حالاً فقد تعرض بعضهم للموت كما حدث في جامعة حلب، حيث تجاوز عدد الطلاب الذين قضوا هناك إلى أكثر من 100 طالب، وكذلك قضى أكثر من 16 طالب جراء سقوط قذائف على مقصف الهندسة المعمارية، وكذلك تعرض البعض الآخر للتوقيف من قبل الجهات المعنية (طلاب كلية الطب سنة خامسة) أو الفصل من الجامعة (كطلاب العلوم السياسية)، وذلك بسبب تبني موقف سياسي معين، والبعض الآخر لم يستطع أن يتقدم للامتحان لأكثر من فصلين بسبب المخاطر الأمنية، وتجدر الإشارة إلى أن أعضاء الهيئة التدريسية أيضاً قد تعرضوا للقتل أو الخطف.

وتمثلت تداعيات الأزمة على التعليم الجامعي الحكومي بانخفاض نسبة دوام الطلاب بسبب تعذر وصولهم إلى الجامعات, ونقل دوام وامتحانات بعض الجامعات إلى جامعات أخرى, مما حمل الجامعات المعنية أعباء إضافية, وتأثر الجوانب العلمية في بعض الكليات سلبياً نتيجة فقدان وتلف بعض المخابر والتجهيزات, وتعثر طلاب الدراسات العليا في متابعة دراستهم, وصعوبة تنقل أعضاء الهيئة التدريسية بين الجامعات للمشاركة في تدريس المقررات.‏

كل ذلك وغيره أدى إلى تراجع مستوى التعليم في الجامعات، خصوصاً في المناطق التي شهدت معارك عنيفة كحلب وحمص وإدلب ودير الزور والرقّة، نتيجة سفر عدد كبير من أساتذة الجامعات إلى الخارج، واقتصار التعليم في بعض هذه الجامعات على معيدين أو طلبة الماجستير.

فيما تمثلت تداعيات الأزمة على التعليم الجامعي الخاص بانخفاض عدد الطلاب المستجدين في كافة الاختصاصات, ولجوء الجامعات الخاصة في المناطق الغير آمنة للانتقال إلى مقرات مؤقتة في المدن الكبرى, وعدم توفير المستلزمات المادية والمخابر في المقرات المؤقتة بما يضمن توفير التدريس العملي, وتراجع أداء الجامعات الخاصة بسبب الاعتماد على مقرات مؤقتة, وعزوف نسبة كبيرة من الطلبة على استئناف الدراسة ولجوئهم إلى إيقاف تسجيلهم, ولجوء الجامعات الخاصة إلى حسم نسبة كبيرة من رواتب وتعويضات أعضاء الهيئة التدريسية المتعاقدين معها, وحرمان الطلبة من المرافق العامة المتوفرة في مقر جامعتهم (المكتبة العامة, خدمة الانترنت, الملاعب, النشاطات..).‏

ويوجد 16 جامعة خاصة في سورية، تم استحداثها بعد صدور المرسوم رقم 36 لعام 2001، من أهمها جامعة القلمون، ‏الجامعة السورية الدولية، جامعة اليرموك، جامعة الوادي ، الجامعة الوطنية، والجامعة العربية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا وغيرهم.

وكذلك يجدر التنويه إلى المرسوم رقم 383 لعام 2001 والذي نص على إنشاء تعليم إضافي للتعليم الجامعي الحكومي وبأسعار قليلة وهو التعليم المفتوح والذي يهدف إلى تعليم أو جعل الكثير من الذين انقطعوا عن التعليم لسنوات، يعودون للحياة الجامعية وكذلك المرسوم الذي استحدث التعليم الموازي.

وكان وزير التعليم العالي السابق محمد يحيى معلا قد أعلن في العام 2013 أن الخسائر والأضرار التي لحقت بالوزارة وكلياتها في مختلف المحافظات، تجاوزت قيمتها نصف مليار ليرة سوريّة (نحو خمسة ملايين دولار أميركي) في ما عدا الخسائر في عدد من الكليات التي لم تحصَ كما في دير الزور على سبيل المثال، وأشار إلى أن جامعتَي "دمشق" و"تشرين" استقبلتا في ذلك العام 40 ألف طالب من مختلف المحافظات، نظراً للمشكلات التي شهدتها جامعاتهم في ظلّ الأزمة.

وزارة التعليم العالي قامت خلال سنوات الأزمة بإصدار قرارات تمكّن الطلاب من متابعة دروسهم والتقدّم للامتحانات في أي جامعة يريدونها إذا كان الاختصاص نفسه متاحاً فيها، في ظلّ صعوبة وأحياناً استحالة استمرار الدراسة في بعض الجامعات أو الكليات في المناطق التي تشهد معارك أو تلك التي دمّرت مبانيها. كما سمحت السلطات السوريّة للطلاب بالتقدّم لأكثر من دورة امتحانية خلافاً للقوانين المعتادة وتسهيلاً لظروف الدراسة، الأمر الذي أثّر على طبيعة الأداء ونوعيّة التعليم.

كما أن من التسهيلات التي قدّمتها السلطات أيضاً، تمكين الطالب من الاستعاضة عن البحوث والاختبارات والتدريب العملي بسؤال نظري يجيب عنه في الامتحان، إلا أن لذلك تأثير سلبي على تخصّصات مثل الهندسة باختلاف مجالاتها لا سيّما هندسة البترول، إذ كيف يمكن دراستها من دون مخابر وحقول وتدريب عملي ميداني؟ والأمر ينطبق على تخصّصات كثيرة، لكن استمرار عمليّة التعليم والمواظبة رغم كل المآسي التي تتعرض لها البلاد، يمثلان تحدياً كبيراً للمجتمع والدولة في سورية، إذ ثمة إصراراً على المتابعة، فعدد كبير من الطلاب يتابعون دراستهم حتى مع الظروف الصعبة والتهديدات القائمة.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة