معهد ليفانت للدراسات

التعديلات الدستورية الأردنية .. من ملكية دستورية إلى ملكية مطلقة

التعديلات الدستورية الأردنية .. من ملكية دستورية إلى ملكية مطلقة
أغسطس 10
09:38 2016

في وقت قياسي وأغلبية ساحقة أقر مجلس الأمة الأردني، النواب والأعيان، مشروع دستور معدّل، غيّر وجه نظام الحكم النيابي الملكي الوراثي، بعدما فاجأت حكومة عبد الله النسور الأردنيين بالمشروع في النصف الثاني من نيسان 2016، وقدمته إلى مجلس الأمة، وفي ظل غياب أي مشاركة شعبية في إعداد ذلك المشروع، أعلنت الحكومة أسباباً موجبة له كانت غايةً في الاقتضاب والغموض.
 

بعض المقربين من البلاط طرحوا مجموعة من الأسباب قالوا إنها تقف وراء التعديلات الدستورية التي أعلنتها الحكومة الأردنية، من أبرزها إقرار صلاحيات منفردة للملك، وبحسب هؤلاء فإن الأسباب تتعلق بممارسات أحد رؤساء الوزراء السابقين (دون تسميته) في محاولته فرض رأيه الشخصي بتعيين أعضاء في مجلس الأعيان مستغلاً حالة "الربيع العربي"، إضافة إلى ظروف إقليمية – وبالتحديد السوار الملتهب حول الأردن – وشعور العقل المركزي في الدولة بما أسموه "حالة الاسترخاء الداخلي".
 

ومن الأسباب التي أشار إليها هؤلاء مسألة التأسيس للمستقبل، وسعي صناع القرار بالأردن إلى مجاراة التجربة المغربية من خلال التأسيس في الوقت القريب لحكومات برلمانية، واعتبروا أن التخوف من هذه التجربة دفع لأن تكون المناصب الأمنية والجيش والأعيان والمجلس القضائي بيد الملك، "وهو تكريس لواقع فعلي يمارس بالأردن"، وبحسب تأكيدات المقربين من البلاط، فإن "الشعب الأردني لا يثق في الحكومات المتعاقبة ولا في مجلس النواب، وهو يثق فقط في الملك ويريد أن يراه قوياً".
 

وعلى اعتبار أنه لفهم الغرض من أي تشريع, ينظر المشرعون في الأسباب الموجبة له والتي ترفق به كقاعدة، وفي حال اقتناع المشرعين بوجاهة تلك الأسباب ينظر في مدى تحقيق نصوص التشريع المقترح لتلك الغايات، لكن في المملكة الهاشمية طرح وأقر تشريع دستوري فجأة يحمل تعديلات دستورية جذرية، واللافت أن هذه التعديلات لم ترفق بأسباب موجبة تستحق التسمية، والأغرب أن الحكومة أقرّتها بجلسة واحدة، ولم يبيّن الخبر المفاجئ من اقترح تلك التعديلات.. وواضح أن غالبية الوزراء الذي أقروها لم يعرفوا بها أو بفحواها, قبل تلك الجلسة، فلو عرفوا لكان تسرب الأمر ليقول فيه الشعب ونخبه كلمتهم.
 

والتعديلات الدستورية كما هو متعارف عليه ليست سراً ولا يجوز أن تكون سراً, بل ينبغي أن تعرض على الشعب كله لتجري مناقشتها، وأغلب الدساتير الديمقراطية تشترط طرح التعديلات بعد إقرارها من المشرعين على استفتاء شعبي لتصبح نافذة، لكن في الأردن لم يحدث شيء من هذا.
 

وقد جوبهت التعديلات المفاجئة بأعنف حملة رفض نيابية وحتماً نخبوية من غير النواب، ولكن غضب النواب تركز على التعديل المتعلق بتولي مزدوجي الجنسية مناصب عليا (الوزارة وما في حكمها), ليس لكونها الأخطر, فالأخطر هي التعديلات التي تغير سمة الحكم في الأردن من "ملكية دستورية " لتشارف "الملكية المطلقة".

 

وكما بيّن كثر, فهي ترفع الحصانة عن الملك بتبرئة الحكومة من كل ما قد ينتج عن استثنائها من شرط توقيع رئيسها والوزراء المعنيين على الإرادة الملكية, كما تنص المادة 40 وتعتبر توقيع الملك فوق هذه التوقيعات "موافقة" عليها وليس منشئاً لها وبالتالي مسؤولاً عنها.
 

ويليها في الخطورة تعيين الملك وحده دون تنسيب أحد لمدير "الدرك", ثم التعديل الذي يتضمن حجراً على إرادة النواب في التجديد أو عدم التجديد لرئيس مجلسهم بتمديد مدة انتخابه لسنتين بدل سنة، فهذا التعديل عملياً سيقيد إرادة "نواب الشعب" في نصف فترة ولايتهم, ويشلها تقريباً في النصف الثاني.
 

مراقبون رأوا أن تقليص ولاية الحكومة يقلص ما يتاح للنواب محاسبتها عليه، وفي هذا انتقاص غير جائز لحقوق المواطن، وعدم جواز الانتقاص من حقوق المواطن في أي تعديل, يرد في نصوص دساتير عدة بعضها عربي.
 

ولكن ما يضعف السلطة التنفيذية بالمقابل أن التعديلات التي أجرتها "لجنة ملكية" عام 2011, وسميت "إصلاحية"  تضمنت إضافة للمادة 42 من الدستور التي تقول "لا يلي منصب الوزارة وما في حكمها إلا أردني", عبارة جديدة تقول "لا يحمل جنسية دولة أخرى".. أي أن التعديل "الإصلاحي" تعمّد سد الطريق أمام أي تفسير للمادة يقول بكفاية كون شاغل المنصب أردنياً دون أي أثر مضاد لكونه يحمل أيضاً جنسية أخرى، وهنا يأتي الانقلاب العجيب على هذا في التعديل الجديد الذي يطالب بحذف العبارة المضافة حديثاً, بما يدعم وصف التعديلات الجديدة بكونها جاءت "سلقاً"!
 

غياب الأسباب الموجبة المقنعة يدفع إلى التفكير بأسباب أخرى يتم القفز عليها، والتفكير هنا يجب أن يوسع جغرافياً وزمانياً، كون الأردن يعيش في إقليم مضطرب ووسط تغيرات كبرى تشارك فيها كبريات القوى الدولية, توجب على المملكة الحذر والسعي للخروج منها سالمة.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة