معهد ليفانت للدراسات

البطالة واقتصاد الظل في سورية

البطالة واقتصاد الظل في سورية
مارس 21
22:15 2015

كان للأزمة السورية بعد عامها الرابع أثر بالغ على شتى القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وفي تقرير أخير صدر عن المركز السوري لبحوث السياسات، ذكر أن معدل التشغيل تراجع من 36.1% في 2011 إلى 19.6% في نهاية 2014، كما سجل معدل البطالة ارتفاعا كبيرا من 14.9% في 2011 إلى 57.7% بنهاية 2014، وبالمقارنة بين السيناريو الاستمراري وسيناريو الأزمة تبين النتائج أن سوق العمل قد خسر 2.96 مليون فرصة عمل مع نهاية 2014، وفي نفس العام استقر التوظيف في القطاع العام دون أن يشهد تغييرات كبيرة، وازدادت حصته من التشغيل إلى 55%، ما يشير إلى أن غالبية المشتغلين في سوق العمل الرسمية يعملون في القطاع الحكومي.

وهنا لجأ معظم العاطلون عن العمل وغيرهم في سورية إلى البحث عن بدائل للحصول على مصدر للدخل، فتحولت نسبة لا يستهان بها إلى اقتصاد الظل في حين بقي أخرون دون عمل، ولوحظ خلال سنوات الأزمة السورية انتشار للبسطات بشكل كبير على أرصفة الشوارع وفي الأسواق الرئيسة ضمن المدن وخاصة في دمشق، وتنوعت أنشطة هذه البسطات حيث ضمت سلعا غذائية وأخرى لبيع الألبسة وغيرها لبيع الأدوادت المنزلية والالكترونية والسجائر، كما اتجه البعض الأخر إلى العمل في أعمال النقل والبناء وبأجور منخفضة مقارنة مع ارتفاع أسعار المواد في الأسواق المحلية، وفي حال البحث عن سبب انتشار هذا الكم الهائل من البسطات في المدن والأرياف ستجد أن القائمين على هذه البسطات هم من الذين خسروا عملهم بسبب الحرب، فمنهم من كان يعمل في ورشة خياطة تعرضت للتدمير في منطقة ساخنة وأخر يعمل في شركة خاصة أغلقت أبوابها نتيجة ظروف الحرب، وأخر يعمل في "سوبر ماركت" تدمر أيضا، حتى أن الحرب طالت المعامل الصناعية الكبيرة وخاصة في حلب وريف دمشق، وأصبح بعض الصناعيين الذين كانوا يملكون مليارات الليرات السورية في عتاد الفقراء، بل واتجهوا نحو سوق الأرصفة والشوارع ليؤمنوا دخلا لمعيشتهم.

تقرير بحوث السياسات أشار أيضا إلى أنه باستخدام معدل الإعالة لعام 2010 والبالغ 4.13 شخص لكل مشتغل، فإن فقدان 2.96 مليون فرصة عمل بحلول نهاية 2014 يترك أثرا فادحا ومباشرا على معيشة 12.24 مليون إنسان فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي، إضافة إلى ذلك فإن الغالبية العظمى ممن تبقوا في سوق العمل عانوا من تراجع حاد في الأجور الحقيقية جراء تزايد الأسعار ولاسيما خلال الربع الأخير من العام 2014.

وأكد التقرير على أن هذا التراجع الحاد في فرص العمل المتاحة ضمن سوق العمل الرسمية أسفر عن زيادة في مستوى النشاطات الاقتصادية غير الرسمية ومن ضمن ذلك ورش العمل الصناعية الصغيرة وصغار أصحاب الأعمال الذي ينشطون في أسواق الشوارع، وقد أعاد ذلك شريحة واسعة من القوى العاملة السورية إلى النشاطات كثيفة العمالة غير الماهرة الأمر الذي من شأنه تبديد رأس المال البشري المتراكم سابقا.

ولا شك أن نحو 13 مليون سوري فقدوا مصدر دخلهم يعتبر رقم لا يستهان به بل ويعمق أثارا اجتماعية سلبية في المجتمع السوري، حيث كثرت حالات الطلاق وقلت نسبة الزواج، ففي تقرير سابق نشر خلال 2013 بين تراجع معدل الزواج في سورية إلى أكثر من 40%، مقابل ارتفاع حالات الطلاق المسجلة ووصولها إلى عتبة 45%، حتى أن دمشق تسجل يوميا 6 حالات طلاق وفق أحد القضاة الشرعيين.

أيضا كثرت حالات السرقة والسطو سواء على البنوك والمصارف أو على المنازل والمحلات وحتى على السيارات، وبالطبع فإن ضعف الدخل أو انعدامه له أثار جمة على جميع أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال بما يتعلق الصحة والتعليم وتأمين المسكن الملائم لهم، وهذا من شأنه أن يؤثر في الأجيال مستقبلا، حيث حذرت 8 منظمات حقوقية وإنسانية في الأمم المتحدة مؤخرا، من كارثة إنسانية في سورية.

ولجأ معظم المواطنين السوريين إلى الترشيد القسري لاحتياجاتهم الأساسية وبات معظمهم يعتمدون على الإعانات الغذائية التي توزع من قبل ممثلي المنظمات الدولية سواء اليونسيف أو الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر، حيث ذكر تقرير حديث لبرنامج الأغذية العالمي "أن سورية كانت تعتبر دولة متوسطة الدخل قبل الأزمة، لكن اليوم 50% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر"، مؤكدا تقديمه الدعم الغذائي لما يقارب 6 ملايين سوري، من خلال الحصص الغذائية والقسائم والبطاقات الالكترونية، لافتاً إلى أن الاحتياجات الإنسانية زادت في سورية 12 ضعفاً منذ بداية الأزمة.

وعلى وقع ارتفاع الأسعار وضعف الدخل، كثر في الأسواق السورية عمليات المتاجرة بالإعانات الغذائية، وتم ضبط العديد من هذه السلع تباع في الأسواق، واستغلت بعض الجمعيات الخيرية هذه الإعانات وكثرت حالات الفساد مثل وضع أسماء وهمية في جداول الإعانات.

 واتجه معظم ذوي الدخل المحدود غير العاطلين عن العمل وحتى غير المهجرين إلى شراء هذه المواد من الأسواق ومن المهجرين أنفسهم، وذلك كون هذه الإعانات والتي تضم الزيوت والأرز والسكر وغيرها من المواد الغذائية الاساسية أسعارها أرخص بكثير عن مثيلاتها في الأسواق المحلية، كما يجد المهجرون في بيع هذه الإعانات ملاذا في الحصول على بعض المال لتلبية احتياجاتهم الأخرى أو تكوين رأس مال صغير يمكنهم من خلاله التوجه به إلى بيع السجائر أو بعض المواد الغذائية على البسطات.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة