معهد ليفانت للدراسات

الانتخابات المحلية الفلسطينية ..رأب الخلافات بين الفصائل أم إطالتها ؟

الانتخابات المحلية الفلسطينية ..رأب الخلافات بين الفصائل أم إطالتها ؟
أغسطس 04
09:45 2016

في خطوة مفاجئة وغير متوقعة قررت السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات بلدية شاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، خطوة وافقت عليها كل الفصائل والأحزاب الفلسطينية على الرغم من الانقسام الحاصل منذ سيطرت حماس على قطاع غزة في لـ2007 ، حتى حركة الجهاد الإسلامي التي ترفض كل الانتخابات التي تجري إبان توقيع اتفاق أوسلو للسلام مع إسرائيل، وافقت على المشاركة فيها..
 

وهنا نسأل ما الغاية من إجراء من إجرائها هل هي مقدمة لإنهاء الانقسام المستمر بين كبرى الفصائل الفلسطينية، أم أنه فخ جديد تحاول من خلالها السلطة نصب كمين محكم لحماس ينهي دورها والتيار الذي تمثله "الإسلام السياسي"، ويعيد للسلطة تفردها في القرار السياسي الفلسطيني دون منازع، ثم ما الأسباب التي دفعت قيادة حركة الجهاد الإسلامي على المشاركة في هذه الانتخابات البلدية ؟
 

لا شك أن قرار إجراء هذه الانتخابات والمشاركة فيها له دوافع لدى مختلف أطراف اللعبة السياسية الفلسطينية "السلطة الفلسطينية وحركة فتح وحركة حماس وبقية الفصائل"، فالأطراف المتنازعة منذ تسع سنوات لم تتفق فيما بينها لإنجاح الانتخابات، بمعنى آخر إن إجراء الانتخابات يأتي بدون أرضية حقيقية وبدون أسس واقعية أو منطقية سليمة لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الاجتماعية ، فكيف ستدور رحى انتخابات بلدية عامة ستشمل مختلف محافظات شطري الوطن في ظل انقسام مدعوم باحتقانات من مختلف الأشكال والألوان بين مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وبالتالي الحديث عن وأد الانقسام غير موجود نهائياً على أجندة إجراء الانتخابات.
 

وبالتالي فإن إعلان الحكومة عن إجراء هذه الانتخابات قد يبدو للوهلة الأولى ناجم عن الرغبة في توطيد دعائم الديمقراطية المفقودة أصلاً، ولكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك فهذه الانتخابات تم الإعلان عنها بموجب رؤية محددة وأهداف مغايرة عن تلك المعلنة من قبل السلطة، وعلينا أيضاً أن نذكر كذلك أن موافقة حماس والجهاد وبقية التنظيمات على المشاركة في هذه الانتخابات يتم لأسباب بعيدة كل البعد عن تلك المعلنة رسمياً، إذن فلكل طرف أجندته الخاصة سواء من وراء الإعلان عن هذه الانتخابات أو من وراء الإعلان عن المشاركة فيها.

 

فالسلطة تريد من خلال الانتخابات استعادة زمام المبادرة وخصوصاً في الضفة الغربية التي بدأت الأمور فيها تتفلت من تحت يديها، ولاسيما بعد المشاكل المتصاعدة في المدن الكبرى الخليل ونابلس من مقتل رجال من الأمن الوقائي، وبشكل آخر تحاول من خلال هذه الانتخابات أن تكبح القوة المتصاعدة لرجال الانتفاضة الفلسطينية "انتفاضة القدس"، لا بل وأدها، فهي أي السلطة تعلن صراحة أنها ضد العنف المسلح وتدعو إلى الحل عبر التفاوض والحل السياسي.
 

إضافة إلى ذلك تسعى السلطة من هذه الانتخابات إلى فرض هيبتها على قطاع غزة بعد الانقلاب الحمساوي والانتخابات ستكون مدخلاً مهماً في هذا الطريق، أي كان موقف حماس فهي عملياً فرضت رأيها على غزة رغم كل الرفض الذي تبديه حماس.
 

في المقلب الآخر فإن حركة حماس تريد من هذه الانتخابات أولها اقتحام حصون السلطة في الضفة وإيجاد موضع قدم من خلال السيطرة على مجموعة من البلديات وخصوصاً الكبرى معولةً على نقمة المواطنين لسياسات السلطة هناك والرصيد الشعبي الذي تتمتع فيه الحركة في الضفة، وثانياً التعرف على شعبيتها في القطاع ومدى تضررها نتيجة تفاقم المشاكل الحياتية للمواطنين الناجم عن أسباب عديدة في مقدمتها الحصار الخانق المضروب على القطاع منذ 10 سنوات تقريباً وتحديداً منذ فوزها بالانتخابات التشريعية 2006؛ كذلك التعرف بشكل ميداني دقيق على قوة خصومها السياسيين وفي مقدمتهم حركة فتح، والاستفادة من الخلاف الحاصل بين عباس ودحلان في حركة فتح.
 

أما حركة الجهاد الإسلامي التي تشارك للمرة الأولى في هذه الانتخابات فهي فعلاً مجبرة لخوضها لأن بقائها وحيدة تغرد خارج السرب سيؤدي بها لعزلة غير محمودة العواقب، وربما تستفيد من الصراع المحموم بين حماس وفتح لتحصل على أصوات غير المنتمين لكلا الحركتين وأصوات الناقمين والمعارضين لهما.
 

أما بقية التنظيمات فهي كالعادة لا يتعدى دورها استكمال برواز صورة العملية الديمقراطية ولا ضير إن شاركت وخسرت بشرف وما أروع أن تشارك وتحقق فوزاً ببعض الهيئات والمجالس يبقيها في الحلبة ولو بصورة شرفية.

 

إن القرار الذي اتخذته حكومة الدكتور رامي الحمد الله بإجراء الانتخابات المحلية في الثامن من تشرين الأول المقبل، قرار اتخذته بكل تأكيد بتوجيهات من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رغم إدراكه بأن هذه الانتخابات لن تكون مخرجاً لأزمة الانقسامات والقيادة والخلافات التي تعيشها الساحة الفلسطينية، غير أن الأهم في الأمر أن قرار إجراء الانتخابات يبدو بأنه ليس فلسطينياً، وإنما هو في إطار سيناريو دولي يجري الإعداد له في عواصم عربية وأوربية تستهدف القضاء على ما تبقى من معالم "الإسلام السياسي".
 

وهذا ما دفع بعض العقلاء إلى الدعوة برفض إجراء الانتخابات لعدة أسباب أبرزها أنها تتم في ظل الانقسام داعين إلى أن تكون المصالحة شرطاً رئيسياً لإجرائها وأن تتم تنفيذ استحقاقاتها مجتمعة ومن ضمنها الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية، وثانياً أن هذه الانتخابات ستؤدي إلى تأجيج النزعات الحزبية الضيقة والعائلية العفنة وتوتير الشارع الفلسطيني خصوصاً في القطاع وسيكون هناك سعي محموم للاستقطاب بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، كما أن هذه الانتخابات ستكبد دافع الضرائب الفلسطيني مبالغ طائلة جداً، أما الأسوأ في هذه الانتخابات فهو نظام التمثيل النسبي أي نظام القوائم الذي تقرر اعتماده كفيصل في هذه الانتخابات وهو ما يعني أن كل الكفاءات التي لا تنتمي للتنظيمات والحركات سيتم تعطيلها ووضعها على الرفوف ولن يتسيد المشهد إلا أبناء التنظيمات ولو كانوا مجرد دمى تتحرك على الأرض.
 

أخيراً لاشك أن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للتأكيد على أن الديمقراطية حية في هذا البلد أو ذاك، ولكن أي ديمقراطية سيقبل بها المجتمع الدولي، ففي انتخابات عام 2006  التشريعية حققت حماس فوزراً كاسحاً، وبوجود مراقبة دولية وأممية، ورغم ذلك فإن المجتمع الدولي رفض نتائجها، لأن حماس ترفض السلام مع إسرائيل، فهل سيكون مصير هذه الانتخابات المحلية ذاته إذا ما حققت حركة الجهاد الإسلامي مثلاً فوزاً كاسحاً ؟

 


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة