معهد ليفانت للدراسات

الانتخابات البلدية في لبنان وخارطة التجاذبات السياسية

الانتخابات البلدية في لبنان وخارطة التجاذبات السياسية
يونيو 07
23:12 2016

انتهت الانتخابات البلدية اللبنانية على عكس ما بدأت عليه، فالقوى والأحزاب والتيارات السياسية التقليدية كانت تعتقد أن القوائم المدعومة منها ستحقق انتصارات مريحة وربما كاسحة في أغلب المناطق المتواجدة فيها، ولكن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، فجاءت النتيجة عكس ما توقعت.

 

العديد من التيارات الوازنة خسرت في مواجهة قوائم أهلية "العائلات" أو قوائم لسياسيين رفضوا الانصياع لرأي حزبهم كما حدث في طرابلس حيث استطاعت قائمة الوزير المستقيل أشرف ريفي من تحقيق انتصار مدوي على القائمة التي يدعمها زعيم تيار المستقبل سعد الحريري وحلفائه، وحتى التحالفات الجديدة التي تشكلت قبل انطلاق الانتخابات فشلت في تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله "التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية" بالقول أنهم يمثلون 85% من الشارع المسيحي.

 

ولكن السؤال الذي بات ملحاً بعد الانتخابات البلدية هل ستتغير التحالفات السياسية القائمة بعد النتائج المسجلة، هل نرى مثلاً حزب الله وتيار المستقبل والتيار الوطني الحر في تحالف جديد يكسر كل التحالفات السابقة، أم أن الزعامات التقليدية والتحالفات القائمة منذ عام 2005 ستبقى على حالها مع بعض محاولات التجميل والتجديد.

 

لقد بعثرت الانتخابات البلدية كل الأوراق والتحالفات وجمعت المتناقضات، فنشأت تحالفات جديدة مؤقتة وغالباً غير منسجمة مع المواقف المعلنة لأصحابها، وألغت الأحاديّة حتى داخل المجتمع الاسلامي – الشيعي الذي ظل ممسوكاً لفترة طويلة بالثنائية "حزب الله- أمل"، فنشأت ثنائيات تنذر بمتغيرات وتكاد تقضي على مشروع اعتماد النسبية في قانون الانتخاب الجديد، فـالنتائج البلدية ستعيد توحيد مساعي الأحزاب والطبقة الحاكمة قبيل الانتخابات النيابية في أيار 2017، وربما ساهمت بشكل كبير في الإبقاء على قانون الستين.

 

وعليه فإن نتائج الانتخابات البلدية أرخت بثقلها على المشهد السياسي اللبناني ودفعته في الدلالات الكبيرة التي تمخضت عنها بداية أن العديد من المدن أظهرت نوعاً من التطرف في اختياراتها، والمثال طرابلس حيث استطاع الوزير المستقيل أشرف ريفي بخطاب متشدد وعصبي وطائفي من شد عصب أهل المدينة ودفعهم لدعم لائحته على حساب لائحة "الحريري، ميقاتي، كرامي، الصفدي"، حيث لم يستطع أي ممثل عن المكون المسيحي والاسلامي – العلوي الوصول إلى المجلس البلدي للمدينة.

 

هذا بحساب السياسيين يؤشر إلى أن هناك تمرد كبير على القرار السياسي وعدم رضا على أداء الزعماء، وان قضية اغتيال الحريري الأب لم تعد كافية بعد 11 سنة على جذب الناخب الطرابلسي لصالح التيار الأزرق ، مما يدل على أن الاصطفاف الطائفي بات طاغياً على الاصطفاف السياسي أكثر من ذي قبل.

 

كما بينت الانتخابات أن المال السياسي لم يعد عاملاً أساسياً للفوز بمعركة انتخابيّة ولا يُمكن أن يؤمّن الفوز في حال غابت القضية، بل كرّست نتائج الانتخابات وجود حالة اعتراضيّة على الأحزاب السياسيّة التقليديّة في لبنان.

 

ولكن الأهم برأي المحللين والمتابعين هو أن مفهوم انقياد الناس للحزب أو الزعيم قد تراجع جذرياً، وأن تياراً واسعاً بات مقتنعاً بمفهوم المحاسبة وتحديد أولوياته بنفسه وأن سياسات التفرد أو الإلغاء التي مارستها مختلف القوى السياسية لم تعد مستساغة من المواطن، بل تنتج نوع من الشعور بالتعاطف مع مظلومية المستهدف، والمواطن بات يضغط وبشدة على العمل المشترك الحقيقي حول قضايا تمس حاجاته واهتماته هو وليس اهتمامات القوى والزعامات السياسية، وأن المواطن لم يعد يستسيغ مفهوم التسويات البعيدة عن الحلول العميقة في ظل الانقسام الحاصل في المنطقة وانعكاساته على المكونات اللبنانية، وهذا يجعل من القوى والأحزاب الكبرى تتحاشى في المدى المنظور إجراء استطلاعات رأي تحدد مدى شعبيتها في هذه المنطقة أو تلك.

 

أخيراً، يبدو من الواقع الذي فرضته نتائج الانتخابات البلدية، أن الأحزاب والتيارات  السياسية بمعظمها إن لم نقل جميعها خرجت مهشمة أو مصابة من الانتخابات البلدية والاختيارية في شكل أو آخر، ولو أن الانتخابات بدأت من محافظتي الشمال وعكار لكانت النتائج حملت تغييراً أوسع في بقية لبنان بفعل العدوى.

 

إنجاز الانتخابات دون أي عارض أمني وبنجاح تنظيمي يحسب لوزارة الداخلية والبلديات يوجه صفعة أخرى إلى السياسيين ويكشف مدى التضليل الذي مارسوه على جمهورهم في مسألة الانتخابات النيابية، ولكن ما حاول البعض أن يخفيه، أماطت اللثام عنه صناديق الاقتراع البلدي التي فاضت بالكثير من الدلالات بأن الطبقة السياسية تعيش أسوأ أيامها، فهل تشهد الأيام القادمة الإعلان عن تحالفات وتوافقات جديدة أم منطق الطوائف والعشائر والمحصاصة الطائفية سيبقى سيد الموقف في بلد الأرز.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة