معهد ليفانت للدراسات

الانتخابات البلدية اللبنانيّة .. ماذا خسر الحريري في طرابلس ؟

الانتخابات البلدية اللبنانيّة .. ماذا خسر الحريري في طرابلس ؟
يونيو 18
21:58 2016

كشفت الانتخابات البلدية التي جرت مؤخراً مدى التراجع في شعبية تيار المستقبل وخصوصاً في المدن الكبرى، ولعل ما حدث في مدينة طرابلس كان خير دليل على ذلك، فالمحسوبون على التيار تركوا رئيسه وحيداً في مواجهة باقي الأحزاب والتيارات، لا بل شكلوا لأنفسهم حيثيات في تلك المدن، وسعوا لأن يكون خطّهم ونهجهم بعيداً عن نهج المستقبل من خلال تبني أفكار وعناوين سياسية، فشل التيار الأزرق الحريري في تحقيقها لقاعدته الشعبية، خلال السنوات الماضية.

 

رئيس التيار سعد الحريري أقر بأن أمراً ما يحدث في البيت الأزرق خلال الإفطار السنوي للجمعيات الخيرية في بيروت بقوله "بيت تيار المستقبل أصابته شظايا نتائج الانتخابات البلدية، ولم ينج من سيل الحملات والمقالات والتمنيات بكسر شوكة آل الحريري، وإن الشامتين يراهنون على تصدع جدران هذا البيت وانهياره على رؤوس أصحابه، وإني أرى أن ثمن غيابي عن بيروت كان باهظا جداً ، لكنني لن أنحنى أمام أي عاصفة مهما اشتدت".

 

لكن لماذا السقوط في هذا التوقيت ؟ من يسعى لذلك ؟ وهل باتت موضة الحريرية السياسية غير كافية في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية ؟ هل بالفعل التيار الحريري بات بحاجة إلى إعادة تقييم لوضع القيادات التي تتحكم فيه ؟ وهل مازال بإمكان الذهاب بعيداً في اللعبة السياسية اللبنانية المعقدة ؟.

 

يقول العارفون بخبايا التيار أنه يعاني من عدة أمور تجعل الاستمرار في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها من المستحيل بمكان , أبرزها الشح المالي والتنظيم وغياب الرؤية السياسية.

 

من المعروف أن رئيس تيار المستقبل سعد الحريري يرتبط مالياً في جزء كبير من أعماله ومشاريعه بالمملكة العربية السعودية ويتلقى دعماً كبيراً من حكامها، وهذا ليس بجديد فوالده كان كذلك، ونتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر على المملكة منذ هبوط أسعار النفط في 2014 ، والأمور المالية للشيخ سعد تتراجع وتتدهور وانعكاساتها تتردد في مؤسسات التيار وفروعه، حيث أصدر التيار قراراً بصرف حراس التيار الأمنيين الذين يتولون حراسة مقرات التيار في فروعه في كافة أنحاء لبنان، ويمكن للأزمة أن تطول، إلى حين الانفراج في شركات الحريري من "سعودي أوجيه"، إلى شركة الاتصالات في تركيا، إلى ما بقي من أسهم البنك العربي. حسناً، ولكن لا حل في الأفق يبدو قريباً ، في ظل ابتعاد السعودية عن مساندة حليفها بسبب انشغالها في الكثير من ملفات المنطقة، ولا أفق بوجود ممول آخر يسد هذا العجز الحاصل، وهذا ما يصعب المشاكل.
 

أما في الجانب التنظيمي فيبدو الوضع أيضاً معقد فكل المناصرين والمحازبين للتيار يريدون أن يروا ما يفكرون به، ينفذ أفعالاً على يد رئيس تيارهم، ولكن الرئيس الذي غاب لفترة طويلة عن لبنان تارة بدواعي أمنية، وتارة أخرى بفعل مناكفات سياسية مع قوى الإقليم بإعلانه عدم الرجوع إلى بيروت إلا من مطار دمشق بعد سقوط النظام السوري.. هذا الأمر أرخى بظلاله على الواقع التنظيمي للتيار وبات الكثير من المتنفذين يوجهون قرارات التيار وفق أهوائهم ويعنون من يرضون عنهم .. وبالتالي المراجعة التي أعلنها سعد الحريري ستحتاج على وقت كبير جداً حتى يعيد عقارب التيار الأزرق إلى طريقها الصحيح، طبعاً إن تكللت خطواته التصحيحية بالنجاح.

 

أما الجانب الأخير في المشاكل التي يواجهها التيار الأزرق فتكمن في رؤيته السياسية فهو يهاجم شعبياً بلا هوادة  فريق 8 آذار وخصوصاً حزب الله ويصفه بأنه ينفذ أجندات إيران في لبنان، ومن جهة ثانية يحاور الحزب برعاية رئيس مجلس النيابي نبيه بري وهو يصر في البيانات  بعد انتهاء جولات الحوار على إستراتيجية الحوار مع الحزب، فكيف للجمهور أن يفهم ما يفعله قادة التيار.

 

والأمر الآخر هو مسألة رئاسة الجمهورية فالتيار رفض رفضاً تاماً القبول بمرشح 8 آذار للرئاسة العماد ميشيل عون وتبنى ترشيح زعيم حزب القوات سمير جعجع، ليفاجأ بعد ذلك جمهوره بإعلانه عن ترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية للرئاسة وهو قطب بارز في الثامن آذار ، وهذه أيضاً لم يفهما جمهوره.

 

وعليه بدا واضحاً أن تيار المستقبل منذ تأسيسه كان على مقاس من أسسه رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، ومنذ لحظة اغتياله، استمر التيار الأزرق بمنشطات حيوية لم يعد يُجْدِي مفعولها مع مرور الوقت لكثرة الاستهلاك. ثورة الأرز، سلاح حزب الله، المحكمة الدولية، والثورة السورية كلها شعارات آتت أُكُلها مرحلياً في الاستنهاض وشد العصب، لكنها لم تصلح البتة في صناعة تيار قابل للديمومة بالزخم نفسه والقوة ذاتها، وبالتالي فإن فوز الوزير المستقيل أشرف ريفي في طرابلس والانتفاضة غير المسبوقة للوزير الداخلية نهاد المشنوق في الحديث عن السعودية وخيارات رئيس التيار سعد الحريري، لم تعد انفعالات فردية كما يصورها البعض، وإنما حالة تفكك وانهيار يجب على قادة التيار وعلى رأسهم سعد الحريري أن يجدوا حلولاً جذرية وإلا فإن بداية النهاية لأفول التيار قد انطلقت.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة