معهد ليفانت للدراسات

الاقتصاد السوري ..أرقام تشير إلى كارثة !

الاقتصاد السوري ..أرقام تشير إلى كارثة !
مارس 29
09:47 2017

ستة أعوام على عمر الحرب السورية, تلك الحرب التي تركت آثارها الكارثية على مختلف القطاعات, و لعل القطاع الاقتصادي كان المتضرر الأكبر مع دخول الصراع عامه السابع, عصب الحياة تأثر بشدة بالنزاع الدائر, و المعارك المنتشرة على طول الجغرافيا السورية أحرقت الأخضر و اليابس كما يقال, فمن اقتصاد واعد قبيل عام 2011 إلى انهيار اقتصادي أسوأ من مثيله الألماني خلال الحرب العالمية الثانية, إلى أين وصل الاقتصاد السوري اليوم ؟ و ما هي السيناريوهات المتوقعة بحسب خبراء الاقتصاد و الأزمات ؟

 

مع بطالة متفشية بنسبة 52 % و فقر بنسبة 50 % بحسب إحصائيات عام 2015, و تردي الوضع المعيشي للمواطن السوري الذي يزداد باضطراد مع عمر الحرب, هذا التردي بات مقياساً يستطيع الباحث من خلاله أن يدرك حجم الكارثة, ففي ظل غياب دراسات واضحة تغطي كامل المشهد الاقتصادي بات من الضرورة بمكان الغوص في تفاصيل الواقع الفوضوي, و محاولة جمع بيانات و إحصائيات و دراسات قد تعطي رؤية مقبولة ندرك من خلالها كل جوانب المشهد و تأثيراتها المتداخلة .

 

يعد المواطن السوري الخاسر الأكبر من تدهور الاقتصاد,  لا سيما عندما يرتبط الأمر بالليرة السورية و حجم إنفاق الأسرة, فمن 50 ليرة سورية قبل ستة أعوام إلى عتبة الخمسمائة مقابل سعر صرف الدولار, بالرغم من كل محاولات الدعم التي تقوم بها الحكومة السورية عبر تدخل البنك المركزي في السوق, و ضخ ملايين الدولارات لاحتواء أزمة ارتفاع سعر صرف العملات الصعبة أمام العملة الوطنية, و ما نتج عنها من ارتفاع جنوني للأسعار, لكن الدمار الواسع الذي شهدته البنية التحتية للمصانع و المعامل و مصافي تكرير النفط الناتج عن أعمال العنف و العمليات العسكرية, و هجرة رؤوس الأموال و العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب التي يفرضها الغرب على سوريا, كلها عوامل زادت الطين بلة و ضيقت الخناق على الاقتصاد السوري و أضرت به بشكل كبير .

 

يتساءل البعض لماذا لم يشهد الاقتصاد السوري انهياراً مفاجئا بعد ستة أعوام في ظل كل ما حدث و يحدث حتى الآن, فالحكومة السورية تواصل دفع رواتب موظفيها حتى أولئك الذين يعيشون خارج مناطق سيطرتها, و المواطن السوري لا زال بإمكانه تأمين حاجياته اليومية من خبز و غاز و محروقات و غذاء  في الوقت الذي يبدو للمشاهد من بعيد أن الاقتصاد السوري قد توقف بالكامل, إن التجربة أثبتت بأنه على الرغم من سني الحرب الطويلة فإن الاقتصاد السوري اقتصاد حقيقي عاش مراحل نمو مستقر بين العامين 2006 و 2010, و ذلك بمعدل وسطي قدره 5 %, و كانت تلك إحدى أعلى نسب النمو المسجلة في إقليم الشرق الأوسط وفق البنك الدولي, و لم يكن يعتمد على الخارج كثيراً حيث بقيت له عوامل القوة و الاستمرارية, فالخبز حتى اليوم رخيص و المرافق تعمل و المواد الأساسية متوفرة للمواطن على أقل تقدير, كما أن الدول الحليفة للحكومة السورية تسعى بشكل متواصل لدعمها في كافة القطاعات الحيوية, و يجب ألا يتم إغفال المساعدات الدولية و الدور الذي تلعبه منظمات الإغاثة و الجمعيات الأهلية الفاعلة داخل سوريا و خارجها, و التي ساهمت نوعا ما في منع حدوث كوارث إنسانية و مجاعات على نطاق واسع .

 

برغم الرؤيا الايجابية التي حاولنا التدليل عليها بمقاربة منطقية للواقع المعاش قبل و بعد الحرب إلا أن الوضع يزداد سوءا, و استمرار الاقتتال قد يفضي إلى سيناريوهات مستقبلية غير حميدة, فالاقتصاد السوري المعروف قبل الأزمة تم تدميره بالكامل و تحول إلى اقتصاد حرب باتت أهم أولوياته تأمين المواد الأساسية كالوقود و الغذاء وسط تراجع نشاط العديد من القطاعات الإنتاجية و مغادرة الكثير من اللاعبين الاقتصاديين إلى خارج البلاد, كما تشير الدراسات إلى حقائق سيئة, فوفقاً لتحليل علماء اقتصاد في البنك البريطاني, يصنف دمار الاقتصاد السوري حتى الآن بين واحد من الانهيارات الاقتصادية الأكثر حدة على الإطلاق, متجاوزاً الانهيارات الاقتصادية الكارثية في ألمانيا و اليابان بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية .

 

إن حقيقة ما وصل إليه الاقتصاد السوري من تردي تتضح جلية بالأرقام حيث أشارت دراسة حديثة لمعهد ( كارني ) للسلام الدولي أن استمرار الأزمة و زيادة الطلب على العملات الأجنبية و ظهور آثار الحصار المفروض على سوريا, خفض قيمة الاحتياطي النقدي, و دفع بالاقتصاد السوري إلى التآكل بمعدل نصف بليون دولار كل شهر, و يفترض بهذا التآكل أن يؤدي لانهيار الليرة خلال عام, كما يشير البنك الدولي أن إجمالي الناتج الداخلي في سوريا يشهد تراجعاً متواصلاً في ظل استمرار العجز في الموازنة بشكل كبير, و تقدر الأمم المتحدة أنه لا بد من استثمار 158 مليار يورو لإعادة الناتج الإجمالي الداخلي إلى مستواه قبل النزاع, و في العام الماضي كان قد أعلن رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم أن تكلفة إعادة الإعمار للمناطق التي دمرتها الحرب في سوريا قد تصل إلى 180 مليار دولار .

 

يقول التاريخ أن الأزمات الاقتصادية الخانقة كانت السبب الخفي وراء كل الحروب و الكوارث التي حدثت حول العالم , و في الحروب تتردى الأحوال الاقتصادية و يتدنى مستوى معيشة الفرد مع تدني مستويات الأمن و الإنتاج, و عليه لا يمكن تحديد حجم الخسائر بدقة كما لا يمكن التنبؤ بما سيحدث مستقبلاً , لكن يبقى ذوو الدخل المحدود أكبر المتضررين في كل حرب, حيث تضيق الأولويات لتنحصر بتأمين أساسيات العيش البسيطة, و لتبقى محاولة الخروج بأقل الخسائر شغلهم الشاغل, و مما لا شك فيه أن الانتعاش الاقتصادي في سوريا لن يتحقق إلا عندما تضع الحرب أوزارها و تعود البلاد إلى استقرارها السابق, ذلك الاستقرار الذي سيفتح الباب أمام الاستثمارات و المشاريع و الشركات كما سيهيئ الأسباب لعودة الشتات السوري من الخارج إلى بلدهم المسجل سابقاً ضمن المرتبات الأولى للدول الفتية حول العالم .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

الـمــراجـــع :

  • سوريا : الآفاق الاقتصادية – ربيع 2016 – المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا
  • موقع البنك الدولي – حساب تكاليف الحرب في سوريا :  http://blogs.worldbank.org/arabvoices/ar/counting-costs-war-syria
  • سوريا : استمرار تراجع النمو – البنك الدولي – 2016
  • رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم الجلسة العامة للاجتماعات السنوية http://www.albankaldawli.orgjim-yong-kim-2016
  • الأمم المتحدة و تكلفة إعادة الإعمار في سوريا 

تقارير ذات صلة