معهد ليفانت للدراسات

الاعتراف الرسمي الدولي .. دولة فلسطين

الاعتراف الرسمي الدولي .. دولة فلسطين
أكتوبر 31
19:51 2015

"إن رفع العلم الفلسطيني في مقر المنظمة الدولية في نيويورك إجراء رمزي، لكنه سيعزز أسس الدولة وسيقدم للفلسطينيين بارقة أمل"، هذا ما قاله المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة رياض منصور، عقب تبني الأمم المتحدة قراراً يجيز لفلسطين رفع علمها على مقر المنظمة الدولية في نيويورك في مرحلة جديدة من حملتها الدبلوماسية المكثفة للحصول على اعتراف بدولتها.

 

إذن، لم تتوقف القوى الوطنية والفصائل والمنظمات الفلسطينية على مدى قرن كامل تقريباً من السعي لنيل الاعتراف بالدولة المستقلة، وعاصمتها القدس، فمنذ الانتداب البريطاني عام 1920، طلبت قياداتها الشعبية والسياسية من "عصبة الأمم" سابقاً الأمم المتحدة الاعتراف الدولي بها، وأتت "الثورة الفلسطينية الكبرى" سنة 1936 لتؤكد تصميم الشعب الفلسطيني على الكفاح لتحقيق الاستقلال، واستمرت الثورة حتى بدء الحرب العالمية الثانية عند توقيع الدول العربية على اتفاق "الكتاب الأبيض" الذي وعدت فيه بريطانيا بإيقاف الهجرة اليهودية، وإقامة حكم ذاتي فلسطيني يكون خطوة أولى نحو الاستقلال الكامل، ولكن الدعوات للأمم المتحدة لم يبت بها حتى عام 1947 حيث أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها الثانية المنعقدة بتاريخ 29 نوفمبر1947، قرارها الشهير رقم "181" القاضي بتقسيم فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني إلى دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية، منحت الأولى بموجب هذا القرار حوالي 42.88% من إجمالي مساحة فلسطين، في حين منحت الثانية ما نسبته 56.47% من مساحة فلسطين، وخصص ما تبقى والبالغ نسبته 0.65% من مجمل الإقليم الفلسطيني لمدينة القدس التي تم وضعها استنادا لمضمون القرار تحت نظام الوصاية الدولية، والذي رفضته القوى الفلسطينية وعدته محاباة للمغتصب وتشريع لأي قوة في انتزاع أرض أي دولة تحت مطامح عرقية أو قومية أو إثنية.

ولكي تؤكد الجمعية العامة على إلزامية قرار التقسيم ووجوب احترام والتزام إسرائيل بحدودها المقرة في قرار التقسيم، وأيضا تنفذ التزامها الخاص بحق اللاجئين في العودة، أدرجت بصريح النص في متن قرارها المتعلق بالموافقة على قبول دولة إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة، تصريح دولة إسرائيل الصريح بالموافقة دون تحفظ على القرار رقم 181 والقرار رقم 194.

 

وترافق ذلك مع النضال الذي قادته الفصائل الفلسطينية ومن خلفها منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها في الأمم المتحدة والجامعة العربية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين المنشئة عام 1964 وهي تضم معظم الفصائل والأحزاب الفلسطينية تحت لوائها. والتي يعتبر رئيسها، رئيساً لفلسطين والشعب الفلسطيني.

 

وفي سنة 1988 تخلت منظمة التحرير عن شعار "الدولة الديمقراطية" (الثنائية القومية) وأعلنت قبولها بالحل "الواقعي" القائم على تقسيم فلسطين إلى دولتين: إسرائيل ضمن حدود 1967 ودولة فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية "قرار المجلس الوطني في 13 تشرين الثاني 1988"، واستند الإعلان على التبرير القانوني لقرار الجمعية العامة رقم 181 "الثاني" والمؤرخ في 29 تشرين الثاني1947، والذي نص على إنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين، وفي 30 تشرين الأول 1991 عقد مؤتمر مدريد الدولي برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية نهائياً، وابتدأت المفاوضات الثنائية الفلسطينية الإسرائيلية في واشنطن.

 

وفي هذه الأثناء ودون إطلاع اللجنة التنفيذية أو المجلس الوطني أجرى ياسر عرفات محادثات سرية مع إسرائيل، وعقد اتفاق أوسلو الذي تم الإعلان عنه في أيلول 1993، وكان لهذا الاتفاق نتائج مختلفة أهمها -وهو المباشر العملي منها- إنهاء الانتفاضة الشعبية، وتسلم عرفات دفة المفاوضات، فاستبدلوا بمفاوضات مدريد القائمة على قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية مقايضات "عملية السلام" التي أصبحت تحت سيطرة الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومثلما رفضت إسرائيل الحل الفلسطيني القائم على مفهوم الدولة "الديمقراطية"، فإنها رفضت في أوسلو الحل القائم على مفهوم الدولة الفلسطينية، وقبل المفاوضون الفلسطينيون بـ "الحكم الذاتي" على شكل صيغة جديدة.. "دولة" منزوعة السلاح وتتمتع بالسيادة الوطنية، ولا تتطابق مع حدود الضفة والقطاع، ولا تتحكم في أي مخرج حدودي على الأرض أو على البحر أو في الجو.

كان هذا القبول خروجاً واضحاً عن قرارات المجلس الوطني التي ركزت على الانسحاب الكامل والاستقلال التام، وعن اتفاقات مؤتمر مدريد القائمة على قراري مجلس الأمن 242 و338، كما كان قبولاً بمبدأ الأمن حسب التحديد الإسرائيلي القائم على التمسك بالسيادة على الأرض "بما فيها مناطق "الدولة الفلسطينية" والاحتفاظ بتفوق إسرائيلي في موازين القوى إزاء الدول العربية مجتمعة.

وجاءت "انتفاضة الأقصى" في 29 أيلول 2000 إعلانا من الشعب الفلسطيني عن رفضه لـ "عملية السلام" واتفاقات أوسلو والصيغة الأميركية المنفردة للمفاوضات، وقد حققت انتفاضة الأقصى هدفين رئيسيين، ليس فقط الخروج من اتفاقات أوسلو، بل وإعادة القضية الفلسطينية إلى إطارها الدولي الصحيح، وإخراجها من الاحتكار الأميركي وبالتالي تدويلها. فالقضية الفلسطينية منذ بدايتها كانت قضية دولية، تحملت مسؤوليتها في مراحل مختلفة الدولُ الأوروبية الكبرى "ألمانيا وبريطانيا وفرنسا" والولايات المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى الدول العربية التي مثلتها على الصعيد الدولي منذ 1939. وهذه المسؤولية مسؤولية أخلاقية بقدر ما هي مسؤولية سياسية ودبلوماسية.

وما بين مد وجزر المفاوضات والمحاولات التي سعت من خلالها اللجنة الرباعية الدولية، المكونة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والتي أنشئت باقتراح من قبل رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار في مدريد عام 2002، لوقف التدهور في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية ولإعادة الطرفين إلى المفاوضات وفق "خارطة الطريق" التي استمدتها اللجنة من رؤية الرئيس الأمريكي في حينها جورج دبليو بوش، المعلن عنها في خطابه بتاريخ 24 يونيو 2002، والتي تقوم على أساس البدء بمحادثات بين الطرفين للتوصل لتسوية سلمية نهائية -على ثلاث مراحل- لإقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005.

وحصل الفلسطينيون في تشرين الثاني 2012 على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة ما يمنحهم الحق بالانضمام إلى سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية من بينها معاهدة روما التي أنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية.

وشهد عام 2014، زخما داعماً لتأسيس الدولة الفلسطينية، بفضل اعترافات رمزية متتالية من 5 برلمانات أوروبية" البريطاني، الإسباني، الفرنسي، الأيرلندي، البرتغالي" مع موافقة مبدئية من البرلمان الأوربي، أما الأبرز كان الاعتراف الرسمي من دولة السويد بالدولة الفلسطينية كأول دولة أوربية تعترف بها بعد أيسلندا، هذا الزخم الكبير دفع بالسلطة الفلسطينية إلى تقديم مشروع لمجلس الأمن عبر الأردن لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي يطالب أساسا بـ"انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967"، وفي 31/12/2014 صوت مجلس الأمن الدولي ضد مشروع القرار، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفتيو، وحصل النص، على تأييد ثماني دول مقابل اثنتين صوتتا ضده وخمس امتنعت عن التصويت، بينما كان إقراره بحاجة إلى تسعة أصوات.

ومازالت المحاولات الفلسطينية مستمرة لنيل الاستقلال والتحرر من اسرائيل فهل تنجح بالحصول على حقوقها الدولية المشروعة ؟

معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة