معهد ليفانت للدراسات

الاردن وسورية , قلق الجيرة وتغيّر قواعد الاشتباك

الاردن وسورية , قلق الجيرة وتغيّر قواعد الاشتباك
ديسمبر 26
10:07 2015

منعطفات عديدة مرّت العلاقات السورية الأردنية، خاصة في النصف الثاني من القرن الماضي، وكان التوتر سيد الموقف في العلاقة بين البلدين، ففي العام 1966اتهمت سورية الأردن بدعم انقلاب عسكري فيها، فيما دخلت كتيبة مدرعات سورية إلى شمال الأردن، لمساعدة المنظمات الفلسطينية بعد ما عُرف بـ "أحداث أيلول الأسود" عام 1970، كما حمّل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في أواخر عام 1980، الأردن مسؤولية "حوادث التخريب" التي مرت بها سورية، حيث قال: "لا أحد في الوطن العربي إلا وقد عرف شكوى سورية المستمرة من الدور الذي لعبه الحكم الأردني في حوادث التخريب داخل سورية خلال المرحلة الماضية".

مع بداية الأزمة السورية قبل أربع سنوات، عادت العلاقات لتسوء مجدداً بين البلدين، على خلفية الموقف الأردني من نظام الحكم في سورية، ومحاباته المواقف الخليجية والأمريكية، وتسهيله عمليات فصائل المعارضة المسلحة انطلاقاً من أراضيه، وقد اتسم الموقف الأردني إزاء هذه الأزمة بالغموض، ووصلت درجة التوتر بين النظامين أوجها العام الماضي، بطرد السفير السوري في عمان بهجت سليمان، وكان يوم 27‏ أيار من العام الماضي هو الفيصل، وذلك بعد مصافحة السفير السوري للملك عبد الله الثاني في الحفل الرسمي بمناسبة عيد الاستقلال الأردني، حيث أوعز الملك عقبها بمغادرة سليمان البلاد خلال 24 ساعة، في حينها؛ أكد وزير الخارجية ناصر جودة أن طلب وزارته من سليمان مغادرة الأردن لا علاقة له بموقف الأردن من النظام السوري، وإنما "بتصرفات السفير المسيئة والمتكررة تجاه الأردن ودول عربية شقيقة"، وتجاوزه الأعراف الديبلوماسية المتعارف عليها، وأضاف جودة لصحيفة الرياض السعودية "لا علاقة لقرار اعتبار السفير السوري شخصًا غير مرغوب به بما تناقلته وسائل إعلام من تعيين سفير لائتلاف المعارضة السورية بعمان"، موضحاً أن "ما حدث ليس إغلاقاً للسفارة، وإنما طرد للسفير، وما تزال السفارة تمارس عملها كالمعتاد"، بدورها؛ ردّت دمشق بالمثل، حيث طردت القائم بأعمال السفارة الأردنية في دمشق، واعتبرته شخصاً غير مرغوب فيه.

في مطلع العام 2015 اتهم الأسد الأردن بالتآمر على سورية، بفتح الحدود للمقاتلين ودعم "قوى الإرهاب" وفي مقدمتها جبهة النصرة في الجنوب السوري، وذلك في حديثه لصحيفة يتيرارني نوفيني التشيكية، فيما كانت وكالات أنباء أردنية تتداول خبراً مفاده بأن الملك عبد الله الثاني تسلم تقريراً سرياً، رفعه إليه رئيس جهاز المخابرات العامة الأردني بشأن النزاع الداخلي السوري بعد 36 شهراً من بدء الأزمة السياسية والأمنية، وخلص التقرير الذي تضمن تقديرات وتوصيات للنزاع السوري بأن يستمر الأردن في الوقوف في المنطقة الرمادية من الأزمة السورية.

بعد تزايد خطر التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها داعش، بدأ الحديث عن ارتقاء مستوى التفكير الرسمي الأردني بملفات الإرهاب المحتمل، وتزايد التقارير الإعلامية – الغربية حصرياً – عن خطط تنظيم داعش للتوسع في العمق الأردني، ما ساهم إلى حد بعيد في إنضاج تصور داخلي عن ضرورة ملامسة الحوار مع الحكومة السورية إن أمكن وفي أكثر من طريقة.

 

عندما قام تنظيم داعش بإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة أصدرت وزارة الخارجية السورية، بيانًا أدانت فيه ما وصفته بـ "الجريمة الإرهابية البشعة"، داعية الحكومة الأردنية للتعاون في مكافحة الإرهاب، وكتبت صحيفة "الوطن" السورية "بدأت نار التنظيم الإرهابي تحرق الأردن بعد أن سهلت عمان على مدار أربع سنوات ماضية من عمر الأزمة السورية تسلل آلاف السلفيين عبر الحدود للقتال إلى جانب المجموعات المسلحة ضد الجيش العربي السوري"، لكن الأردنيين رفضوا هذه الاتهامات، وقالت صحف أردنية لو استجابت المملكة  لحجم الضغوط التي قاومها الأردن لتسهيل عمليات دخول المقاتلين والأسلحة إلى سورية، لما كانت الحال كما هي في دمشق اليوم"،

قبل انطلاق العمليات الروسية في سورية، حفلت المواقع الإخبارية السورية بتهنئة رئيس هيئة الأركان المشتركة مشعل الزبن الأردني لنظيره السوري بمناسبة حلول عيد الأضحى، وقد وجهت وكالة "ريا نوفوستي الروسية" سؤالاً مباشراً للسفير السوري السابق في عمّان بهجت سليمان حول صحة نبأ إرسال برقية التهنئة، فأكدها واعتبرها "بادرة بروتوكولية طيبة"، ولا يمكن قراءة تهنئة العيد، بمعزل عن موقف عمّان تجاه الملف السوري، كون الزبن أولاً يشغل منصب مستشار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني للشؤون العسكرية، وثانياً لأن تصريحات المسؤولين العسكريين في الأردن نادرة جداً، باستثناء حالات طارئة ومحطات مهمة، وهو ماكان على مايبدو بداية الانعطافة الأردنية، وقد استبق مدير مكتب القدس العربي في عمّان بسام بدارين شن الهجمات بمقال حمل عنوان "الأردن على علم وينتظر: قوات خاصة روسية في الجوار وملامح تسوية كبرى وشيكة".

جاءت العمليات الروسية في سورية، حاملة معها الكثير المهام الأخرى، كان منها الدور الروسي في إعادة تأهيل العلاقات السورية الأردنية، وبمجرد تدشين الحملة العسكرية الروسية عبر الطلعات الجوية في بداياتها، أقفلت المملكة الهاشمية باب البرنامج القديم لتدريب مسلحين سوريين في المعارضة، وتم إبلاغ موسكو ودمشق بهذا القرار باعتباره رسالة مرنة من الجانب الأردني وخطوة نحو التقارب.

لاحقاً أبلغت رئيسة المجلس الاتحادي الروسي، فالنتينا ماتفيكيو، عندما زارت عمان أعضاء البرلمان الأردني الذين قابلوها بأن بلادها تراهن على تعاون الأردن الحيوي مع مقاومة الإرهاب في سورية، أما الرئيس الأسد، وقبل زيارته المباغتة إلى موسكو، تقدم خطوة محدودة ومحددة مع التقارب الأردني، حين رفض التواصل في المستوى السياسي أو حتى على المستوى الدبلوماسي، وطلب من مؤسساته الأمنية البقاء على اتصال مع الأجهزة الأمنية الأردنية.

يبدو أن حوارات في المستوى الأمني حصلت فعلاً بين عمان ودمشق، ويبدو أن موسكو تدفع من خلف الستارة نحو تجذير مثل هذه الحوارات، الأمر الذي تعكسه خطوة الرئيس بوتين في وضع الأردن في صورة مسار الأحداث خصوصاً، بعد اللقاء المفصلي للرئيس بوتين مع الأسد.

وجاء إسناد مهمة "تصنيف" الجماعات المقاتلة في المعارضة السورية للأردن بمثابة خطوة أولى في تحريك الأردن بالاتجاه الآخر، وخطوة روسية مدروسة للتقارب بين دمشق وعمان، وتحويلة أردنية بعد أن بات خطر الإرهاب يهدد أراضي المملكة، ولو أنها مقتصرة حالياً على تجميد الأردن للعمليات العسكرية للفصائل المعارضة من أراضيها، ولكن الأيام القادمة ستكون كفيلة بتحديد العلاقة بين البلدين، وتطورها سلباً أو إيجاباً، بناء على ماتراه الدولتين من مصلحة لهما في التحالفات القائمة والمستجدة.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة