معهد ليفانت للدراسات

الاتفاق الأمريكي الروسي وُلِدَ ميتاً .. الشيطان في التفاصيل !

الاتفاق الأمريكي الروسي وُلِدَ ميتاً .. الشيطان في التفاصيل !
أكتوبر 22
15:26 2016

لم يكد الاتفاق الأمريكي – الروسي الأخير حول سورية يبصر النور حتى انهار مجدداً بفعل عوامل عديدة، وتجاذبات إقليمية ودولية، وفق معادلات الربح والخسارة، وتعامي المجتمع الدولي عن مآلات استمرار الحرب السورية ومآسيها .. سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين صرح عقب انهيار الهدنة وفشل الاتفاق بالقول إن إحلال السلام في سورية أصبح "مهمة شبه مستحيلة" !.

 

الاتفاق في بنوده المعلنة، تضمن التزام الولايات المتحدة الأمريكية بفصل جبهة النصرة أو "فتح الشام" المصنفة أممياً بالإرهابية عن فصائل المعارضة المسلحة المعتدلة، والتعاون وتنسيق العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية في سورية بين واشنطن وموسكو، مقابل فتح ممرات آمنة والسماح بإيصال مساعدات لمناطق المعارضة المحاصرة خاصة في أحياء حلب الشرقية. هذا ماكتبه المتفاوضون على الورق لكن عراقيل كثيرة حالت دون تنفيذ ما اتُفق عليه.

 

نجاح الاتفاق وصموده كان يعني بدء القصف الجوي الأمريكي الروسي لتنظيم جبهة النصرة، وأحرار الشام المتحالفة معها، وكان من المفترض أن يبدأ هذا القصف بعد أسبوع من تنفيذ الاتفاق، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية.

 

ظهر الانقسام أولاً داخل الأوساط الأمريكية المتنفذة ذاتها، والخلاف كان بين الإدارة والأركان، حيث بدا واضحاً رفض القيادات العسكرية الأمريكية للتعاون مع موسكو في سورية، واعتبر وزير الدفاع آشتون كارتر الاتفاق مذلاً لدولته وفيه تنازلات أمريكية كثيرة، وعليه أعلنت واشنطن أن فصل الإرهابيين عن المعتدلين مسألة صعبة ومعقدة

 

في أول عملية تنصل من الاتفاق، وفيما قبلت موسكو ودمشق بدخول مساعدات أممية إلى المناطق المحاصرة، وأخلى الجيش السوري بعض مواقعه على مدخل حلب من جهة طريق الكاستيلو، تعرض لهجوم من قبل الفصائل المسلحة المفترض أنها تلتزم الهدنة، كما أصر الغرب على عدم السماح للحكومة السورية بتفتيش قوافل المساعدات، التي يتخوف المسؤولون السوريون من تهريب السلاح عبرها إلى داخل حلب، مما جعل الأمور تزداد تعقيداً.

 

التحليلات تشير إلى أن الولايات المتحدة اكتشفت متأخرة أنها أخطأت الحسابات، وأن الاتفاق سيؤدي خاصة بعد نشر بنوده كاملة إلى إحداث تأثير مباشر على حلفاء واشنطن وعلى علاقتها بهم، ببساطة لأن فصل المعتدلين عن المنظمات الإرهابية التي تم إعادة تصنيفها ونشر أسماءها سيطال ليس هذه المنظمات فحسب، بل أن دولاً إقليمية كاملة ستتأثر وسيرفع عن أدواتها وأدوات واشنطن الغطاء .. وكان قصف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمواقع الجيش السوري في دير الزور القشة التي قصمت ظهر البعير ودفنت الاتفاق.

 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برر هذا الإلغاء بأنه عائد إلى رغبة الولايات المتحدة بعدم اطلاع أعضاء مجلس الأمن على بنود الاتفاق، وطالبها بالشفافية، الولايات المتحدة لم تنف هذا الاتهام، وقالت إنها لا تريد ذلك حفاظاً على سلامة بعض الفصائل التي تدعمها، وحرصاً على وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين.

 

أيضاً اكتملت الأسباب مع رفض معظم فصائل المعارضة المسلحة للاتفاق، خاصة لجهة فك الارتباط مع جبهة النصرة بتحريض من الدول الداعمة لها في منطقة الخليج، وحدوث شرخ كبير في أوساط المعارضة حول هذه المسألة، وتوجيهها انتقادات كبيرة للولايات المتحدة السعودية وتركيا بالخيانة، والتخلي عن المعارضة، والسقوط في المصيدة الروسية.

 

مع انهيار الاتفاق، أعلنت واشنطن وقف الاتصالات مع موسكو الخاصة بتنسيق العمليات الجوية في سورية، وهددت أمريكا باللجوء إلى الخيارات العسكرية في سورية، وسط تحشيد سياسي وإعلامي، من قبل الأمريكيين وحلفاءهم يحمّل روسيا مسؤولية انهيار الاتفاق، وتضمين التصريحات تهديدات مباشرة للروس والحكومة السورية إن لم ينفذوا التزاماتهم في الاتفاق الذي لم تنفذ واشنطن بنداً واحداً منه، لكن الرد الروسي – السوري جاء سريعاً مفاجئاً

حيث تقدم الجيش السوري وحلفاؤه في أحياء حلب الشرقية وزاد الخناق على الفصائل المسلحة المحاصرة، وأعلنت الدفاع الروسية تباعاً عن وصول سربين من طائراتها المقاتلة إلى سورية، وتسليم وحدات من منظومة إس 300 للجيش السوري، ومنظومة "بانتستير"، عدا عن البوارج العسكرية الروسية وحاملة طائرات التي اتجهت إلى قبالة السواحل السورية.

 

وصول التعزيزات العسكرية الروسية، أرفقه المسؤولون الروس بتصريحات نارية، هددت فيها بالرد على أي استهداف يطال قواتها في سورية، وأخيراً أعلنت موسكو عن عزمها إنشاء قاعدة بحرية دائمة في طرطوس وسط ترحيب سوري. الرد الروسي حدا بالإدارة الأمريكية التعقل في اتخاذ أي قرار عسكري في سورية، وبحسب أوساط البيت الأبيض فإن أوباما رفض اللجوء إلى الخيار العسكري لأنه يعني مواجهة مباشرة مع روسيا، ولايبدو أن الرئيس الأمريكي متحمس لذلك.

 

الاجتماع الأخير في لوزان بين الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية، ورغم عدم صدور تصريحات واضحة بشأن نتائجه، إلا أن عودة الاتصالات العسكرية عقب الاجتماع بين الروس والأمريكيين، وإعلان روسيا عن هدنة جديدة في حلب، وقيامها مع القوات السورية بوقف قصف الفصائل المسلحة في أحياء حلب الشرقية، يشير إلا محاولة هذه القوى العودة مجدداً إلى طاولة التفاوض، وبحث حلول ترضي الجميع أو على الأقل الأمريكيين والروس .. وتبقى العبرة بالنتائج.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة