معهد ليفانت للدراسات

الأكراد في إطار “الشرق الأدنى”

الأكراد في إطار “الشرق الأدنى”
ديسمبر 14
11:21 2013


تنقلت أزمة الأكراد في الرؤية الدولية دون أي تحولات واضحة على مستوى جغرافية المنطقة، أو حتى في صورة الدول التي ظهرت أو التي يمكن أن تظهر نتيجة التبدلات الاستراتيجية في العالم، فمن "الأزمة الشرقية" وصولا إلى "الشرق الأوسط الجديد" بقي الأكراد يعبّرون عن واقع مضطرب داخل البلدان التي تقاسمت تركة الدولة العثمانية، وعندما نستخدم مصطلح "الشرق الأدنى" فلأننا نريد متابعة المنهج في طريقة النظر إلى المسألة الكردية، فرغم أننا على اعتاب حقبة جديدة لمنطقة تُدعى اليوم "الشرق الأوسط" لكننا نحاول فهم حيوية الموضوع الكردي داخل مساحة جغرافية تمتد من تركيا إلى فلسطين، ونسعى لقراءة الدور الأساسي للأكراد في ظل التوازن الإقليمي الذي خلقته مراحل ما بعد الحرب العالمية الأولى.
أزمة تتجاوز الجغرافية
هل فعلا يمكن النظر إلى "المسألة الكردية" كسوء تخطيط للحدود السياسية خلال مؤتمر الصلح في باريس بعد الحرب العالمية الأولى؟ فهذا المؤتمر الطويل  كان نوعا من خلق التوافقات لمجموعة اتفاقات منفردة، وكان للأكراد نصيب واضح فيها من خلال معاهدة "سيفر" (10 آب 1920) التي نصت على "حصول كردستان على الاستقلال حسب البندين 62 و 63 و64 من الفقرة الثالثة والسماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان استنادا إلى البند 62، ولكن هذه الاتفاقية ألغيت نتيجة للرفض التركي لبعض بنوده المتعلقة بالحدود الغربية والجنوبية الغربية (مع اليونان) والجنوبية الشرقية (مع سوريا)، وتم تعديل مسار بعض الأجزاء الحدودية في معاهدة عقدت في لوزان السويسرية عام 1923 التي أعادت لتركيا في القسم الأوروبي (غرب اسطنبول) من الدولة العثمانية وضمت الأقاليم السورية الشمالية إلى تركيا.
   في مقابل هذا التشكيل الدولي فإن النظرة الجغرافية للأكراد كانت مختلفة تماما وفق العديد من أدبياتهم، فأرض كردستان تبلغ مساحتها حوالي 410 ألف كم2 ونصف هذه المساحة تقريبًا 194 ألف كم2 في شرق وجنوب شرق تركيا، و125 ألف كم2 في شمال وشمال غرب إيران، و72 ألف كم2 في شمال وشمال غرب العراق، و17 ألف كم2 في شمال وشرق سوريا، ومساحات صغيرة في الأجزاء الجنوبيَّة من أذربيجان وأرمينيا، وسكانيا فإن الاحصاءات تتحدث عن توزع يضم 15 مليون كردي في تركيا و 6 ملايين في العراق وخمسة ملايين في إيران ومليون في سوريا ومليون آخر موزعين ما بين أذريجان وأرمينيا، وبالتأكيد فإن هذه الأرقام لا يمكنها التعبير بدقة عن حجم الكتلة السكانية الكردية لسببين: الأول هو عدم وجود احصاءات كاملة لهذا الموضوع، والثاني طبيعة توزع الأكراد وانخراط بعضهم في المجتمعات المحلية، وهم يتجاوزون تلك الجغرافية فهناك أكراد في لبنان وفلسطين.
   عمليا فإن ظهور الدول يعد الحرب العالمية الأولى لم تحكمه "طموح" المجتمعات أو الظروف الذاتية للشعوب، فهناك توازنات أساسية اتضحت مع ضرورة الحفاظ على "كيان تركي" متكامل وربما ضروري لاستكمال الحزام الخاص بـ"أوراسيا" ، فالتقسيم السياسي ورغم طول المفاوضات لم يعطي شكلا للدول مختلفا عن المفارقة الأساسية التي وضعها المستشرقون لعالم في شرق المتوسط يتصارع تاريخيا عبر خطوط احتكاك أساسية تقع على سفوح الأناضول، فالجمهورية التركية بقدر ما كانت صنيعة التفكير الاستراتيجي لمؤسسها مصطفى كمال أتاتورك كانت أيضا متوافقة مع التفكير الغربي في تقسيم العالم وفق الصراعات التاريخية التقليدية، فظهور "دولة كردية" كان سيجعل من أطراف أوراسيا "جغرافية هشة" وخاضعة لكافة تأثيرات شرقي المتوسط.
  ودخلت المسألة الكردية أيضا في الصراع الدولي الحاد كغيرها من مواضيع المنطقة، فمع نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت محاولة عبر جمهورية مهاباد التي تأسست في أقصى شمال غرب إيران حول مدينة مهاباد التي كانت عاصمتها، وكانت جمهورية كردية مدعومة سوفييتياً أُنشأت سنة 1946 ولم تدم أكثر من 11 شهراً، وظهرت نتيجة للأزمة الإيرانية الناشئة بين الإتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، فبالرغم من أن إيران أعلنت الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية إلاّ أن قوات الاتحاد السوفيتي توغلت في جزء من الأراضي الإيرانية وكان مبرر جوزيف ستالين لهذا التوغل هو أن شاه إيران رضا بهلوي كان متعاطفاً مع أدولف هتلر. ونتيجة لهذا التوغل، هرب رضا بهلوي إلى المنفى وتم تنصيب إبنه محمد رضا بهلوي في مكانه، استغل بعض الأكراد في إيران هذه الفرصة وقام قاضي محمد مع مصطفى البارزاني بإعلان جمهورية مهاباد في 22 كانون الثاني 1946، ولكن الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة على الاتحاد السوفيتي كان كفيلاً بانسحاب القوات السوفيتية من الأراضي الأيرانية وقامت الحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد بعد 11 شهرا من إعلانها وتم إعدام قاضي محمد في 31 مارس 1947 في ساحة عامة في مدينة مهاباد وهرب مصطفى البارزاني مع مجموعة من مقاتليه من المنطقة.
  وتعد هذه التجربة نموذجا للمسألة الكردية التي أصبحت ورقة ضغط واضحة للدول الإقليمية والعالمية، فالطموح الكردي لتأسيس دولة تعبر عن تطلعاتهم القومية اصطدم بأربعة اعتبارات أساسية:
– المأزق الجغرافي لدولة تحتاج منفذا بحريا، وأي محاولة لخلق هذا المنفذ كان كفيلا بخروج هذه الدولة بعيدا عن الكتلة السكانية الأساسية للأكراد، فصحيح أن الامتداد الكردي يصل حتى شواطئ المتوسط، لكن نقطة الارتكاز الديموغرافي لكن على الرغم من كل هذا نستطيع أن نقول بأن حدود كوردستان تمتد من جبال أرارات في الشمال الى سلسلة جبال زاغروس في الجنوب.
– التأثير المباشر على كتلة الدولة الكردية التي كانت ضرورة في ظل النظام الدولي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث كان هناك ضرورة لظهور الجمهورية التركية في مواجهة كتلة جيبوبولتيكية هي إيران.
– خطورة إعادة تجميع الأكراد ضمن دولة في ذروة "الفكر القومي"، فظهور دولة قومية واضحة المعالم كان سيؤثر باتجاه اتفاقية سايكس – بيكو التي اعادة رسم الأحلام القومية لشعوب المنطقة باتجاهات إقليمية.
– عدم وجود رؤية واضحة لتلك المنطقة المختلطة حضاريا التي يتواجد الأكراد عليها، فهم كانوا منتشرين باتجاه الجنوب وصولا إلى دمشق، ةغربا باتجاه الساحل السوري أو ما يسمى اليوم بـ>جبل الأكراد" ويصلون شرقا باتجاه العمق الإيراني، لكن المشكلة الأساسية كانت في المثلث الجغرافي الذي يجمعهم في ماطق تركية وسورية وعراقية مشتركة، أي امتداد بلاد الرافدين.
الأكراد.. توزعات وتباينات
   إن معظم الدراسات الكردية تبدأ بلمحة تاريخية، لكن هذا اللمحة تنطلق من مرحلة انهيار الدولة العثمانية. وعندما يتم الانتقال بشكل أعمق نحو التاريخ في العصر السيط (العصر الإسلامي) عندما ظهرت الإمارات الكردية وتطورت فإن معظم الدراسات تسعى لتأكيد "الهوية الكردية"، لكنها في نفس الوقت تهمل نوعية الامتداد الحضاري الذي بلغ ذروته في عهد صلاح الدين، وحتى عندما يتم الحضارات القديمة فإن التأكيد الهوية يتجاوز أيضا نوعية الاحتكاك الحضاري في منطقة بلاد الشام والرافدين. لكن الاعتماد الرئيسي في القراءات المعاصرة هو على نهاية المرحلة العثمانية، وهي حقبة حاسمة لأنها أرست "المخيال الاجتماعي" حسب تعبير الدكتور محمد عابد الجابري لمسألة "الهوية الكردية"، فالتكوين الأساسي برز عمليا في زمن تشكل الوعي القومي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، ولاشك أن هناك تفاوتات في آلية ارتباط الأكراد بقضيتهم في تلك المرحلة، فكلما ابتعدنا حنوبا عن هضبة الآنضول باتجاه بلاد الشمام، أو حتى شمالا نحو أذربيجان وأرمينيا نلاحظ نوعا من التفاعل مع المجتمعات المحلية، وهذا الأمر أثر بشكل قوي على التوجهات الكردية السياسية في مرحلة انهيار الدول العثمانية، ما يفرض نوعا من التميز، ولو بشكل إجرائي من أجل ضرورات البحث في تطور الحركة الكردية في المنطقة.
  تبدو الصورة الأساسية محصورة في ثلاث نماذج أساسية لتعامل الأكراد مع الواقع الذي ظهر أمامهم، فهناك:
أولا – النموذج التركي:
  تعود أزمة الأكراد في سورية إلى ما قبل تأسيس الدولة التركية الحديثة، لكن شكل الممسألة الحالي يمكن تلمس بدايته في حرب التحرير التي قادها مصطفى كمال "أتاتورك" ضد القوات الأجنبية وشارك الأكراد فيها بقوة، لكن أتاتورك خذل الأكراد فلم ينص دستور عام 1923 على اعتراف بوجود الكردية، على الرغم من أن اتفاقية "سيفر" التي ثار بسببها أتاتورك على الخلافة والمحتلين الأجانب كانت تتضمن في بنودها حصول كردستان على الاستقلال ورغم أن الدستور الذي أنشئ في عام 1921 خلال حرب التحريرتحدث عن حق الأكراد في الحكم الذاتي وتعليم لغتهم، وعلى أساسه دخل الأكراد في حرب التحرير، وأدت سياسة أتاتورك إلى نشوب أكثر من 36 حركة عصيان كردي آخرها حركة عبد الله أوجلان.
  ويمكن تقسيم مراحل الصراع الكردي التركي إلى أربع مراحل حسب بعض الدراسات بدأت الأولى بين عامي 1923 (تاريخ إنشاء الجمهورية التركية) و1938 (نهاية الحرب العالمية الثانية)، حيث حصل 27 تمردا كرديا على النظام، بالإضافة إلى 13 تمردا تركيا على خلفية قيام العسكر بإلغاء الخلافة الإسلامية. أما المرحلة الثانية، فبين عامي 1938 و1960 شهدت العلاقة استقرارا كبيرا عكرته حركة وحيدة في عام 1947 كانت متأثرة بالمد الشيوعي. أما المرحلة الثالثة فبدأت بعد الانقلاب العسكري في عام 1960، إذ قامت الدولة التركية بترحيل 485 عائلة من جنوب شرقي تركيا، هم عائلات قياديين معروفين في كردستان ووضعتهم في مخيم أقامته في مخيم أقيم في مدينة سيداس التركية. بعد هذا التاريخ بدأت حركة بين الشباب الأكراد تمثلت في إنشاء منظمات سرية، كانت أبرزها في عام 1977 منظمة حزب العمال الكردستاني. لكن أول عملية للحزب جرت في عام 1984 تحت شعار إقامة كردستان موحدة مستقلة، وفي المقابل أقامت الدولة التركية نظام "حماة القرى" وأدخلت المنطقة في حالة طوارئ مستمرة. وأدى هذا الصراع إلى سقوط أكثر من 30 ألفا بالإضافة إلى 17 ألفا مجهولي المصير، وتم إخلاء 3200 قرية إجبارياـ
 أن أكثر مرحلة حرجة كانت بين عامي 1993 و1995، فتركيا دخلت خلالها الأراضي العراقية عشرات المرات، كما أن دعمها لحزبي طالباني وبارزاني جعل العلاقات تسوء بين الأكراد. أما نقطة التحول الجوهرية فكانت في عام 1999 عندما سلم أوجلان في كينيا، فبعد هذا التاريخ أعلن الحزب وقف إطلاق نار من طرف واحد، بعدها أتت الحكومة الائتلافية (بولاند أجاويد والحركة القومية وحزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماز)، وبدأت الحكومة التركية تطبيق إصلاحات للتماشي مع المعايير الأوروبية، فألغي حكم الإعدام، وجاء حزب العدالة والتنمية ليكمل هذا الخط.
ولا نستطيع أن نحكم اليوم على طبيعة السياسة التي انتهجها حزب العادلة والتنمية، فهي تبدو منفتحة لطنها متعثرة، وفي المقابل فإن كل المعاير الخاصة بحقوق الإنسان التي طبقتها تركيا تماشيا مع المطالب الأوروبية لم تؤسس لبيئة إقليمية تتيح تأسيس دولة كردية.
ثانيا – النموذج العراقي
 تأسست دولة العراق عام 1921 وتم تنصيب فيصل بن حسين ملكا عليها وحسب كتاب "المسألة الكردية" للمؤلف م. س. لازاريف "لم يرحب به معظم الكرد" فواجهت الدولة منذ تأسيسها مشاكل متعددة وكانت الولايات العثمانية الثلاث (الموصل، بغداد، البصرة) تملك تطلعات متباينة، ففي ولاية الموصل سعى الأكراد بمن فيهم كبار خطباء المساجد وعلماء الدين إلى تشكيل دولة مستقلة تحت الانتداب البريطاني فالعراق حسب بعض الباحثين  فإن كان كيانا مصطنعا ومن صنع وزير المستعمرات البريطانية آنذاك (تشرشل).
 لكن مسألة استقلال الموصل تعود لمرحلة سابقة لتأسيس العراق، فمع وقوع العراق تحت الانتداب البريطاني  حاولت تركيا استمالة محمود الحفيد (1881 – 1956) إلى جانبها رغبة منها في إلحاق ولاية الموصل إلى الجمهورية التركية الحديثة، وامتلك محمود الحفيد مكانة دينية مرموقة في صفوف الأكراد، لكنه امتلك أيضا تطلعات قومية، فقام بالاتصال بالإنكليز ووعدهم بالسيطرة على الحامية التركية التي كانت ما تزال باقية في السليمانية، لقاء منحه امتيازات في إدارة شؤون المدينة، وتشكيل حكومة كردية برئاسته على أن تكون تحت ظل الانتداب البريطاني،  ونتيجة لهذا التعهد دخلت القوات البريطانية إلى السليمانية وتم تعين محمود الحفيد حاكما على السليمانية بشرط تعين ظابط بريطاني كمستشار له وبدأ العمل في تشكيل الحكومة الكردية. لكن انتهاء معاهدة السفر (أو عدم تطبيقها) جعل البريطانين بتخلون عن طموحات الحفيد ال1ي أعلن الثورة عليهم وقام بالسيطرة على مدينة السليمانية في 21 أيار 1919 وطرد القوات البريطانية من المدينة وأعلن نفسه ملكا عليها، لكن سرعات ما استعاد القوات البريطانية المدينة واعتقلت الحفيد ونفته إلى الهند، لكنه اعا\دته بفعل الضغط الشعبي فقام مرة أخرى بطرد الإنكليز من السليمانية في 11 تموز 1923، ومرة أخرى تمكن البريطانيون أثناء حكومة ياسين الهاشمي من إعادة السليمانية إلى حدود المملكة العراقية الحديثة التي لم تكن لحد تلك اللحظة تضم ولاية الموصل حيث تم ضم الموصل إلى حدود المملكة العراقية في فبراير 1925 بناء على توصية من عصبة الأمم.

   في عام 1930 ظهر تمرد كردي جديد بعد  توقيع نوري السعيد معاهدة 30 آب 1930 مع البريطانين التي كانت أشبه بمعاهدة "احتلال"، فقام محمود الحفيد للمرة الثالثة بتحشيد اتباعه وطرد الإنكليز من منطقة نفوذه، وأضاف عليه هذه المرة مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يطالبه بإنشاء دولة كردية في منطقة كردستان تمتد من زاخو وحتى خانقين  وللمرة الثالثة تمكن الإنكليز وقوات الحكومة العراقية من إلحاق الهزيمة به، وقام الحفيد بتسليم نفسه في 13 أيار 1931.
تزامنت حركة محمود الحفيد في السليمانية مع حركة كردية أخرى في منطقة بارزان بقيادة أحمد بارزاني (1892 – 1969) الأخ الأكبر لمصطفى بارزاني. ففي نيسان 1931 رفع أحمد بارزاني طلبا إلى عصبة الأمم حول منح الأكراد الحكم الذاتي. وفي كانون الثاني عام 1932 شن الجيش العراقي الحديث مدعوما بسلاح الجو البريطاني هجوما واسعا على منطقة بارزان، وتم نفي أحمد بارزاني إلى السليمانية، ثم جنوب العراق ولكن الحركة استمرت بقيادة مصطفى بارزاني الأخ الأصغر لأحمد بارزاني الذي استطاع أن يفلت من منفاه في السليمانية وعاد إلى منطقة بارزان عبر الأراضي الإيرانية في 28 تموز 1943، وقام بجولة في قرى منطقة بارزان وانظم إليه عدد كبير من رجال تلك القرى وفي 2 تشرين الثاني 1943 اندلعت الشرارة الأولى لحركة مصطفى بارزاني وكان من مطالبها إنشاء ولاية كردية، وتمت سلسلة من الاجتماعات بين بارزاني ونوري السعيد ووصي العرش عبد الإله والسفير البريطاني في بغداد، وأظهر نوري السعيد استعدادا لتنفيذ مقترحات بارزاني، إلا أنه قوبل بمعارضة شديدة من وزراءه وأعضاء مجلس النواب، لكن الحوار فشل وبدأ القتال مرة أخرى في 13 آب 1945 حيث شنت القوات العراقية والقوة الجوية البريطانية هجوما على معاقل مصطفى بارزاني وبعد معارك عنيفة قام البارزاني مع 1000 من أتباعه بالانسحاب إلى إيران ثم إلى الاتحاد السوفيتي.
 المرحلة الجديدة في النموذج العراقي للمسألة الكردية جاءت بعد الإطاحة بعبدالكريم قاسم في 9 شباط 1963 من قبل البعثيين الذين استلموا مناصب الحكم بعد الانقلاب عليه، وعينوا عبد السلام عارف رئيسا جديدا للجمهورية العراقية. وفي أواخر آذار 1963 سافر وفد كردي برئاسة عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، آنذاك، جلال طالباني إلى بغداد لكن هذه المحادثات لم تفض إلى نتائج عملية. أطاح عبد السلام عارف بحزب البعث في 18 تشرين الثاني 1963، وتدخلت طهران في هذه الفترة بالموضوع الكردي ودعمت الانشقاق والصراع الداخلي في الحزب الديمقراطي الكردستاني لصالح مصطفى البرزاني مما زاد من القوة القتالية للأكراد وفي 11 آذار 1970، تم التوقيع على اتفاقية الحكم الذاتي للأكراد بين الحكومة العراقية والزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني، ولكن لم يتم التوصل إلى حل حاسم بشأن قضية كركوك، ولكن هذه الاتفاقية آذار انتهت مع اعتبار الحكومة العراقية إصرار الأكراد بشأن كردية كركوك كإعلان حرب، انهارت الحركة الكردية تماما عام 1975 مع انتهاء دعم الشاه البرزاني.
  إن إقليم كردستان العراق كان التطور الأخير وجاء نتيجة مباشرة لاحتلال العراق، لكن القضايا الرئيسية ماتزال عالقة وعلى الأخص موضوع كركوك.
ثالثا – النموذج السوري:
 نشأ أول حزب كردي في سورية بعد اجتماعات وتشاورات عام 1957، متأثرا بأمرين: الأول هو الصراع الكردي في العراق، والثاني المد القومي العربي داخل سورية وذلك قبل عام من الوحدة مع مصر التي شكل أول تحرك فعلي لقومية العربية، وعاش الأكراد ضمن ظرف موضوعي مختلف تماما عن باقي دول المنطقة، رغم أنهم تعرضوا لاحصاء جائر عام 1962 تم فيه سحب الجنسية من عدد كبير منهم، لكن الأكراد في سورية انخرطوا في الحياة السياسية السورية العامة، وعلى الأخص من انتقل منهم باتجاه المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، ولم يكن الحراك الكردي السوري يحمل "عنفا" أو انتفاضات وثورات، بل فضل العديد من تشكيلاتهم التي انبثقت عن التنظيم الأساسي الذي تأسس في نهاية الخمسينيات الدخول في الحركة المدنية والديمقراطية، وظهر بوضوح منذ عام 2000 أنهم كونوا خبرة تنظيمية جيدة، وساعدتهم التجربة في بداية التسعينيات عندما وصل نواب لهم إلى مجلس الشعب على التعامل مع وضع سورية معقد.
 يلاحظ في الموضوع السوري الكردي جملة امور:
– تأثر الشرائح الكردية بسورية بالتناقضات الصراع الكردي في تركيا والعراق، فهم حتى ولو دعموا الأحزاب الكردية خارج سورية، لكنهم مع ازدياد الخبرة السياسة المكتسبة أصبحوا بفضلون شكلا أساسيا من الاستقلالية في رسم سياساتهم.
– كان أكراد السورية أضعف الحلقات في التوزع الكردي، فهم يملكون أدوارا حضارية، ومن ناحية أخرى لعبوا في مرحلة الاستقلال دورا هاما، فالزعيم ابراهيم هنانو على سبيل المثال تعامل مع المسألة الوطنية السورية بشكل مختلف عن الزعماء الأكراد في العراق وتركية.
– مع اندلاع الازمة السورية دخل الأكراد في مساحة الصراع المسلح بشكل مختلف تماما عن باقي الفصائل المسلحة، فهم مع حرصهم على تأكيد هويتهم كان لهم تصورا متميزا في الحفاظ على النسيج السوري.
 في النماذج الثلاث السابقة هناك صراعا متفاوتا ما بين العنف والدبلوماسية، لكن الموضوع الكردي بقي أصعب من حله ضمن إطار الكيانات السياسية، فهو في النهاية يبرز ضمن معطيين أساسيين: الأول تداخل العوامل الدولية في صراع الأكراد وهو ما يجعل ضرورة التعامل مع هذه المسألة ضمن إطار التوافق الدولي بالدرجة الأولى، والثاني طبيعة التوازن الإقليمي الذي يحتاج لقراءة مختلفة من أجل إنهاء الأزمة وذلك بغض النظر عن طبيعة الحلول المطروحة اليوم.
 This report is published by the Levant Research Institute- Dec 2013/ All copy rights are protected by Levant Research Institute.

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.