معهد ليفانت للدراسات

الأردن و حقوق الإنسان .. المعادلة الصعبة

الأردن و حقوق الإنسان .. المعادلة الصعبة
مايو 12
04:16 2016

قبل فترة قصيرة أصدرت خارجية الولايات المتحدة الأمريكية تقريرها السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العالم، وكانت المملكة الأردنية من بين الدول التي طالها التقرير، متضمناً انتقادات لانتهاكات حقوق الإنسان في المملكة، واللافت عدم إصدار الحكومة الأردنية أي تعليق يفنّد هذه الانتقادات أو يرفضها، علماً أن الحكومة تسلّمت التقرير بحسب الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية.

 

ويمكن ملاحظة أن الانتهاكات المتعلقة بحرية التعبير والإعلام تأتي في صدارة مشاكل حقوق الإنسان، والقيود المفروضة على حرية التعبير بما في ذلك اعتقال الصحفيين وسط ملاحقات قانونية بموجب تشريعات جزائية، تجعل الإعلام والإعلاميين في خطر، وتحدّ من قدرة المواطنين ووسائل الإعلام على انتقاد سياسات الحكومة والمسؤولين، فثمة نحو ثلاثين تشريعاً تقيّد عمل الصحافة في المملكة، بذريعة الظرف الإقليمي المتوتر والهواجس الأمنية لتبرير تشديد القبضة في الداخل، وجعل الأمن أولوية تتقدم على سواها.

 

كذلك هو حال السياسيين المعارضين في الأردن حيث تعطل القبضة الأمنية من وجهة نظرهم الإصلاح، يطرحون ذات الهاجس "هل ستبقى الحجة الأمنية هي الطاغية شأنها شأن معارضة أي عملية إصلاح سياسي جادة بذريعة أن الظروف الأمنية غير ملائمة؟".

 

قفزت مسألة حرية التعبير في المملكة إلى الواجهة في الآونة الأخيرة، ليس كمطلب بحق طبيعي وأساسي يجري التضييق على ممارسته أو تقييده بموجب قوانين نافذة كقانون المطبوعات والنشر أو قانون الحق في الحصول على المعلومات أو قانون أسرار ووثائق الدولة…الخ، بل جراء تكرار حالات – ولو محدودة – لتوقيف وسجن أشخاص بسبب نشر مقالات أو مدونات أو معلومات أو تعليقات يعتبرها الكثيرون – داخلياً وخارجياً- حقوقاً مكفولة بموجب الدستور والمعايير الدولية، بينما ترى فيها السلطات تهديداً للأمن الوطني بشكل أو بآخر.

 

ومن المشاكل الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان القيود المفروضة على حرية تكوين الجمعيات والتجمع، وسوء ظروف السجن، الاعتقال التعسفي والحرمان من الإجراءات القانونية الواجبة خلال الاعتقال الإداري والاحتجاز لفترات طويلة، إضافة إلى أن الحكومة استمرت في التعدي على حقوق الخصوصية للمواطنين.

 

ومن الشواهد على الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان في المملكة أن 10 إعلاميين أوقفوا عام 2015، وأن المادة "11" من قانون الجرائم الالكترونية فتحت "الحبل على الغارب" لمزيد من التوقيف التعسفي ليس للصحفيين وحدهم بل لكل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وأيضا قدمت الحكومة تعديلات على قانون العقوبات ودفعت بها للبرلمان لإقرارها، ورغم أنها عدلت مواد كثيرة فإنها لم تقترب من المواد القانونية التي تجيز حبس الصحفيين بالجرائم الواقعة على أمن البلد الداخلي والخارجي، وكذلك المواد التي تجيز محاكمة الإعلاميين أمام محكمة أمن الدولة.

 

ورغم اهتمام الحكومة بتعديل المادة "308" وتقديمها تعديلات إيجابية، إلا أنها تهاونت حين أقرت عدم الملاحقة بجرم الاغتصاب لمن يقيم علاقة بالتراضي مع قاصر وفتحت ثغرة في القانون للإفلات من العقاب، وأفسدت كثيراً إصلاحاتها التي طالبت بها منظمات المجتمع المدني لسنوات طويلة.

 

وبالتزامن مع كل هذا تقدم مسودة لمشروع قانون الجمعيات، تضيق الخناق على عمل مؤسسات المجتمع المدني، عدا عن الممارسات اليومية للتضييق على عملها بما يتعارض مع القانون والمعايير الدولية.

 

وفي تقرير الخارجية الأمريكية تم لفت الانتباه إلى ظاهرة "الحصانة والإفلات من العقاب، وعدم اتخاذ إجراءات قوية للتحقيق والمقاضاة أو معاقبة المسؤولين الذين ارتكبوا انتهاكات"، ورغم أن التقرير الأمريكي لايضيف جديداً على ماتشكو منه مؤسسات المجتمع المدني الأردنية الحقوقية، إلا أن له وقع خاص على آذان سلطات المملكة، ويهتمون لأمره، ويخشون تشوّه صورتهم في الخارج خاصة عند أصدقائهم في واشنطن.

 

لكن في المقابل لايبدو أن المسؤولين الأردنيين يعيرون أهمية كبيرة للتقارير المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات داخل أراضيهم، ولم تعد تخيفهم ، نتيجة تراجع صخب وتأثير مفاعيل "الربيع العربي" على حراك الشارع بعد انتشار ظاهرة الإرهاب، كذلك الدول الغربية لم تعد تثير ضجة كبيرة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في الأردن والعالم العربي بسبب تفشي هذه الظاهرة، وتمدد التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" واكتواء الجميع بنارها، فتراجعت ملفات حقوق الإنسان، واستأثرت ملفات مكافحة الإرهاب على ما عداها.

 

المتابعون لهذا الشأن في الداخل الأردني يرون أن الأساس للإجراءات الحكومية في وضع بعض التحوطات على الحريات بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص، قد تكون سليمة من حيث المبدأ الذي تنطلق منه لكنها معيبة بطريقة التشريع والتطبيق، وأن هناك حاجة لتشريع واضح يحدد طبيعة التقييدات على حرية التعبير ونوعيتها، ويّصاغ بشكل مفهوم وبموجب الشروط والأسس التي تضمن انسجامه مع الدستور والمعايير الدولية.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة