معهد ليفانت للدراسات

الأردن وروسيا.. نموذج في العلاقات الدولية يتجاوز الأحلاف والمحاور

الأردن وروسيا.. نموذج في العلاقات الدولية يتجاوز الأحلاف والمحاور
مارس 01
23:54 2016

استطاعت المملكة الأردنية الهاشمية الاستحواذ على مكانة متميزة لها على الساحة الإقليمية والدولية، ولعل ذلك يعود لموقعها الجيوسياسي في وسط مناطق النزاع ما أجبرها على لعب دور يفوق قوتها السياسية وأكبر بكثير من قدراتها العسكرية والاقتصادية، بحيث باتت محط التجاذبات الإقليمية والدولية في ظل سعي كل طرف لكي تكون عمان في صفه وهذا ما مكنها لاحقاً من لعب دور الوسيط في الكثير من الملفات الساخنة بالمنطقة ابتداءاً من فلسطين مروراً بالعراق وانتهاءً بالدور الذي تلعبه الأردن اليوم في الأزمة السورية .

 

تاريخياً، توجّه الأردن غرباً وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تدور في فلكها حيث كان الملك الراحل حسين يحظى بعلاقات دولية كبرى مع المحور الغربي، ساهمت في توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل "اتفاقية وادي عربة"، ومع تولي نجله عبد الله مقاليد الحكم سعى للحفاظ على هذه البراغماتية في علاقات المملكة، لكنه أظهر قدرة أكبر على التكيّف مع الظروف المحيطة أيا كانت، وسعى لعلاقات مع دول بعيدة عن الهوى الأمريكي وعليه تحركت المملكة نحو علاقات جيدة مع موسكو.

 

تطورت العلاقات بين الطرفين في السنوات الأخيرة بشكل متسارع حتى وصلت إلى تعاون استراتيجي بين موسكو وعمان حتى بات البعض يقول أن الأردن أصبح شريك موسكو الأول في المنطقة، وشكلت العلاقة الشخصية بين الملك عبد الله الثاني والرئيس فلاديمير بوتين، المحرك الرئيسي لتطور وتنامي التعاون بين البلدين، فقد فاقت زيارات الملك لروسيا العشرين منذ عام 2000 .

 

وكان للجانب العسكري حيز مهم في هذه العلاقات، والبداية كانت من الشق الأمني فساهمت المخابرات الأردنية في تزويد المخابرات الروسية بمواقع وأسماء الكثير من الانفصاليين الشيشانين الرافضين لسياسة موسكو، كما قدم الروس الكثير من التسهيلات للجانب الأردني وخصوصاً في مسألة التصنيع العسكري، وجعلوا من عمان بلداً مصدراً للأسلحة المتوسطة والصغيرة، الأمر الذي ساهم أيضاً في التخفيف من البطالة بين الشباب إذ أدّت هذه المشاريع إلى تشغيل الآلاف من العاطلين عن العمل، كما تعهدت روسيا بالمساعدة في دعم الحلم الأردني في بناء مفاعل نووي لإنتاج الطاقة الكهربائية وتمويل 50 بالمائة من قيمة المشروع البالغة 10 مليارات دولار.

 

أما في الجانب الاقتصادي وبالتحديد السياحي، فتسعى عمان للاستفادة من التوتر غير المسبوق في العلاقات التركية الروسية لجذب السياح الروس واستقطابهم لزيارة منتجعاتها على البحر الميت ورفع حصتها التي لا تتجاوز5% من عدد السياح الروس لتصبح بحدود 18%، وفي الجانب الزراعي تسعى عمان أيضاً لسد فراغ المنتجات التركية والأوروبية نتيجة المقاطعة والحصول على نسبة كبيرة في السوق الروسية.  

 

ومع بداية الأزمة السورية عام 2011 اتخذت العلاقات منحى آخر، وعلى الرغم من أن الأردن كان قاعدة خلفية في تمويل وتسليح وتدريب الساعين لإسقاط نظام الحكم في دمشق، الحليف الأول للروس في المنطقة تحت ضغط المال السعودي والخليجي من جهة  والتهديد بتحريك الإسلاميين الذين يشكلون كتلة وازنة في الأردن "إخوان – سلفيين"، إلا أن ذلك لم يمنع القيادتين من التواصل والاتفاق على الكثير من القضايا المهمة وقد استقبل الرئيس بوتين بانتظام المسؤولين الأمنيين الأردنيين في موسكو، خلال الأعوام 2012 – 2015، كان آخرها زيارة مستشار الملك للشؤون العسكرية قائد القوات المسلحة مشعل الزبن، كما كان الملك عبد الله الثاني أول حاكم عربي يعلم بأن القوات الروسية الجوية ستتدخل في سورية قبل شهر من بدئها.

 

وعليه فقد ظهر جلياً أن المؤسستين العسكريتين في كلا البلدين كانتا تريان في سقوط نظام دمشق هو مقدمة لانزلاق المنطقة نحو مزيد من الدم والإرهاب، مما كثف التعاون بين الجانبين، وقد ساهم الفشل المتكرر للهجمات التي شنتها التنظيمات المسلحة على مدينة درعا في إعلان الأردن عن إغلاق غرفة عمليات الموك الإستخباراتية التي كانت تنسق الهجمات إلى الداخل السوري، كما ساهمت القدرات العالية للمخابرات الأردنية وتغلغل عملائها ضمن المجموعات المسلحة من تزويد القوات الجوية الروسية لاحقاً بالكثير عن تواجد وخطط هذه المجوعات.

 

وتسارعت العلاقات الروسية الأردنية بشكل كبير عقب التدخل الروسي الجوي في سورية وقع الجانبان اتفاقية لتنسيق الجهود في مكافحة الإرهاب وتفاهمات لضمان سلامة تحليق الطيران، فالأردن عضو في التحالف الأمريكي الستيني بالحرب على داعش، وطائراتها تقصف مواقع التنظيم في سورية، كما اتفق الطرفان على التنسيق وبالتحديد في الجبهة الجنوبية لمنع تسلل الإرهابيين إلى المملكة، وأخيراً إنشاء غرفة إعلامية لمكافحة الإرهاب في العاصمة الأردنية، عمّان، كما تلقت عمان دعوة للانضمام إلى مركز بغداد المعلوماتي التنسيقي والذي يضم كلا من روسيا والعراق وإيران وسورية.

 

هذا التنسيق العالي توّج بعد اجتماعات فيينا لحل الأزمة السورية، باختيار روسيا، بموافقة الولايات المتحدة، الأردن كجهة لتنسيق المعلومات ووضع المعايير حول تصنيف التنظيمات الإرهابية من سواها في سورية، والتفاوض مع تلك التي تُعتبر معتدلة، ولكن بسبب الضغط الكبير الذي مارسته السعودية والتهديد بقطع التمويل عن العديد من المشاريع منع عمان من تقديم اللائحة النهائية لهذه التنظيمات.

 

الملك الأردني عبد الله الثاني وفي إحدى المقابلات الصحفية أقرّ بالدور الكبير الذي تضطلع به موسكو في منطقة الشرق الأوسط محذراً من تجاهله عندما قال "وجود روسيا في المنطقة أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، وينبغي التعامل معه".

 

ما بين علاقات تقليدية للأردن مع أمريكا وأوروبا ودول محور"الاعتدال العربي" ، وأخرى مستجدّة مع حلف جديد تقوده موسكو ويمتد من بكين مروراً بطهران وانتهاءً في دمشق، تحافظ عمان على دور إقليمي بين قوتين عالميتين متنافستين، فيما ترى موسكو أن الأردن باعتداله السياسي وواقعيته هو الوجهة المفضلة لتأكيد حضورها السياسي في المنطقة عقب الانسحاب الأمريكي المتسارع  نحو الشرق الآسيوي.

فهل يؤسس النموذج الروسي الأردني لنوع جديد من العلاقات الدولية يكون بعيداً عن الأحلاف والمحاور؟.. أم أن لتقاليد السياسة العالمية وتوازناتها رأي آخر.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

 

تقارير ذات صلة