معهد ليفانت للدراسات

الأردن والولايات المتحدة .. المصالح المتقاطعة

الأردن والولايات المتحدة .. المصالح المتقاطعة
ديسمبر 03
23:10 2016

ظهر الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب القوة المهيمنة، جراء الضعف الذي اعترى بريطانيا وفرنسا، ورحيل الاستعمار القديم عن المنطقة، وتمتعها بقوة اقتصادية هائلة، ووجدت في تقديم المساعدات للدول النامية ما يعينها على تحقيق أهدافها، وكان من أبرز هذه الأهداف: منع المد السوفييتي من الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط، وشبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط.

 

يحتل الأردن في الشرق العربي موقعاً جيداً واستراتيجياً، فهو يعد امتداداً طبيعياً للصحراء العربية، وحاجزاً يفصل عمق الجزيرة العربية عن بؤر التوتر الناجمة عن الصراعات التي شهدها المشرق العربي بما في ذلك الصراع العربي الإسرائيلي، ويشكل الأردن في الوقت نفسه عازلاً بين إسرائيل وكل من العراق وسورية، وبين منطقتي البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وقد أعطى هذا الموقع للأردن أهمية إستراتيجية تفوق حجمه الجغرافي، ولذلك أصبح موضع اهتمام الولايات المتحدة.
 

أولى الأردن علاقاته مع واشنطن الأهمية البالغة، انطلاقاً من اعتقاده لما يمكن أن تقدمه هذه الدولة كقوة عظمى من عون ودعم ومساعدات سياسية وعسكرية واقتصادية، ولم تتركز العلاقات بشكل متعمق وجدّي إلا بعد تراجع الدور البريطاني، ثم انحساره كلياً.
 

اتخذت العلاقات الأردنية الأمريكية عام 1985 منحى جديداً، يعد علامة فارقة في سياسة الأردن الخارجية، تمثل ذلك بإعلان الملك الحسين بن طلال من على منبر الأمم المتحدة استعداده لإجراء مباحثات مباشرة مع إسرائيل، فانعكس ذلك على صورة العلاقات الأردنية الأمريكية، إذ أصبح الأردن دولة حليفة لأمريكا.
 

منذ ذلك الحين اتسمت العلاقات بين الولايات المتحدة والأردن بالوثيقة، وسعت خلالها واشنطن إلى إبقاء المملكة الهاشمية ضمن دول الاعتدال المقربة منها، وتقوم الولايات المتحدة سنوياً بتخصيص ما مقداره 360 مليون دولار من ميزانيتها للأردن، ازدادت مائة مليون إضافياً بعد أحداث الربيع العربي عام 2011، كما توصل الطرفان إلى اتفاق جعل الأردن حليف رئيسي خارج الناتو، وقد تم مؤخراً توقيع اتفاقا للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة.


يرى كثيرون أن الذي يحكم تحرك السياسة الخارجية للأردن، ويؤثر عليها، هو الوضع الاقتصادي الداخلي، فالقرار والسياسة الأردنية مرهونة بالمساعدات الاقتصادية من الأمريكيين ومن خلفهم الأوروبيين والخليجيين، فالحرص على تلقي المساعدات يجعل من سياسة المملكة الخارجية عاملاً موجهاً للدوران في الفلك الداعم لتلك الدول، وبالتالي لا تتمتع بالسيادة المستقلة الكاملة، لكن البعض يرى أن السياسة الخارجية الأردنية، تتحرك في محيط وظروف إقليمية ودولية معقدة للغاية، وسط حالة من الانقسامات والتحالفات، لذلك تحاول السياسة الخارجية الاحتفاظ بوسطيتها لتواجه التحديات المختلفة، وهي إذ ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن لكن ذلك لا يعني التبعية لها، فقد تضررت العلاقات بين الطرفين في بداية تسعينات القرن الماضي، عندما أعلن الأردن حياده في حرب الخليج، والحفاظ على العلاقات مع العراق.
 

في المقابل فإن قيام الولايات المتحدة بوضع الأردن تحت جناحها، قد أمّنت بذلك إحدى الحدود الخطيرة مع حليفتها إسرائيل، وأخرجت دولة مجاورة للإسرائيليين من الصراع العربي الإسرائيلي، سواء عبر اتفاقيات كاتفاقية "وادي عربة" أو من دون ذلك، بل استفادت واشنطن من المملكة الهاشمية في كبح النشاط الفلسطيني المناهض لإسرائيل، واستخدامها أيضاً كقناة تواصل مع الجانب الوسطي من الفلسطينيين،
 

ويمكن القول هنا إن التعهد الأمريكي أكثر من مرة بالتوسط لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أبقى الأردن قريباً من الجهود الأمريكية في المنطقة، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية من جهتها تربط مساعداتها للأردن بمدى ارتباطه بالسلام، وقد بادرت الولايات المتحدة إلى تقديم مساعدات مالية للأردن أكثر من مرة لشعورها بأن انهيار الأردن سيؤدي إلى وقوع سلسلة من الأحداث التي من شأنها تدمير احتمالات السلام في المنطقة، بغض النظر عن أهدافها الخاصة من هذا المسعى، وتأييدها لإسرائيل.
 

ومؤخراً استثمر الأمريكيون في العلاقة مع الأردن لأجل تدخلهم في الأزمة السورية بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا الشيء حدث قبل مرة في الثمانينات إبان الصراع بين السلطة السورية والإخوان المسلمين
 

الخلاصة أن العلاقات الأردنية الأمريكية انطلقت في بداياتها من موقف الأردن الرافض للمد الشيوعي، والمعارض لنفوذ الاتحاد السوفييتي لأسباب عقائدية، ثم من اهتمام الولايات المتحدة بالأردن لأسباب استراتيجية، حيث يتمتع بموقع جغرافي متميز يمكنها الإفادة منه في تنفيذ سياستها الخارجية في المنطقة.
 

ويلاحظ المتابع لتطور العلاقات الأردنية الأمريكية أن الأردن حقق من هذه العلاقة فوائد لا تُنكر، فقد مكنته المساعدات الأمريكية من تجاوز أزماته الاقتصادية، وأعانته على النهوض ببنيته التحتية وتطويرها، وعلى بناء قواته المسّلحة، كما يلاحظ أن هذه المساعدات إنما قدمت للأردن استجابة لضغط العوامل السياسية والجيوستراتيجية.
 

اليوم، ومنذ فوز دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري بدأت التساؤلات حول شكل العلاقة بين الأردن والولايات المتحدة، فكانت أولى هذه الإجابات كانت على لسان السفيرة الأمريكية في الأردن أليس ويلز والتي استبقت نتائج الانتخابات الأمريكية بالتأكيد على أن التزام بلادها تجاه الأردن ثابتاً وغير قابل للنقاش، بصرف النظر عن الرئيس الجديد للبيت الأبيض، أما الرسالة الصريحة كانت تعهد ترامب خلال حملته الانتخابية بتعزيز التعاون مع الملك عبد الله الثاني، في مواجهة الجماعات المتشددة في الشرق الوسط، وهو ما يؤكد أن لا مخاوف على مستوى صناع القرار السياسي الأردن حول تغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه الأردن، حيث تتقاطع مصالح الطرفين بأهداف مشتركة وملفات هامة، إذ لا بديل عن  التعاون بينهما ضمن استراتيجيات محددة.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة