معهد ليفانت للدراسات

الأردن والاستثمارات السورية

سبتمبر 15
11:52 2014

كشفت الأزمة السورية دوافع واتجاهات قطاع الأعمال، فنتيجة تطور الأحداث واجتياح العنف العديد من المناطق، وعلى الأخص المناطق الصناعية في كل من حلب وحمص (حسياء)، إضافة للمخاطر التي هددت "المناطق الحرة السورية" في عدرا على سبيل المثال، فإن رؤوس الأموال بأغلبها ذهبت باتجاه المصارف اللبنانية، بينما فضل المستثمرون التوجه إلى الأردن أو إلى مصر، فالكتلة النقدية التي خرجت من سورية أوضحت أن الصناعيين يفضلون البيئة الاقتصادية في الأردن وذلك لسببين:

  • طبيعة القاعدة الاستثمارية التي تمنح تسهيلات للمستثمرين وعلى الأخص في المناطق الحرة الأردنية، وهذا الأمر لا يتوفر في لبنان.
  • وجود الشريك الصناعي الأردني، وهو شريك عريق يعود إلى منتصف القرن الماضي؛ عندما قام الصناعيون السوريين بتأسيس أولى استثماراتهم عام 1958 خلال موجة التأميم الأولى أثناء الوحدة مع مصر.

فالتوجه للاستثمار في الأردن يبدو قديماً نوعاً ما، لكنه منذ عام 2011 سجل ارتفاعاً غير مسبوق، وذلك بسبب تراجع عمليات الاستثمار وسعي رجال الأعمال إلى إعادة تأسيس مشاريعهم داخل دول آمنة نسبياً.

مع بداية عام 2011 لم يكن التوقعات الاقتصادية تتجه نحو توقعات بزيادة الاستثمار السوري في الأردن، لأن المملكة شهدت اضطرابات وتظاهرات بينما لم تكن سورية تعاني من هذا التوتر، ولكن التحولات الإقليمية حملت حركة مختلفة، فالاستثمارات السورية في عام 2011 لم تتجاوز 4 ملايين دينار، لكنها وصلت إلى 114 مليون مع نهاية العام 2012، وهذا الارتفاع يحمل قيمه مضافة عبر توظيف العاطلين عن العمل والاستفادة من الخبرات السورية في العديد من القطاعات.

عملياً فإن ما حدث هو "قفزة" في قيمة رؤوس الأموال السورية المسجلة لدى دائرة مراقبة الشركات، وفي الشهرين الأولين من عام 2014 سجلت زيادة بنسبة 79% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، كما أظهرت البيانات أن مجموع حصص رؤوس أموال السوريين المسجلة لدى دائرة مراقبة الشركات ارتفع خلال أول شهرين من العام الحالي بواقع 3.8 مليون دينار لتصل إلى 8.6 مليون دينار بدلاً من 4.8 مليون دينار خلال العام الماضي، بينما ارتفع عدد المستثمرين السوريين خلال نفس الفترة بنسبة 41.5 % ليصل عددهم الى 116 مستثمراً بدلاً من 82 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

وبلغ عدد المصانع السورية المسجلة في المملكة نحو 370 مصنعاً حتى نهاية عام 2013 الماضي، وهو ما دفع الحكومة إلى تقديم حزمة تسهيلات للمستثمرين السوريين المقيمين في المملكة تشمل منح إقامات سنوية، إضافة إلى تمديد مدة إقامة المركبات التي تحمل لوحة سورية، وهي تسهيلات مشروطة بأن يكون رأسمال الشركة المسجلة 50 ألف دينار فما فوق، كما دفع الجهات الرسمية الأردنية إلى دفع المستثمرين لتسجيل مشاريعهم وفقاً للقوانين المعمول بها، وذلك منعاً لإيجاد استثمارات غير منظمة وغير مرخصة تؤدي لمنافسة غير عادلة أمام الاستثمارات المحلية.

كما أظهرت البيانات الصادرة عن دائرة مراقبة الشركات أن مجموع رؤوس الأموال السورية في الشركات غير الاردنية والعاملة في المملكة، بلغت نحو 9.5 مليون دينار في الربع الأول من عام 2014، واحتلت  المرتبة الاولى وبعدد شركاء بلغ 163 شريكاً في الشركات غير الأردنية في المملكة، وبمجموع حصص نحو 9.5 مليون دينار، بينما بلغ حجم استثمارات السوريين خلال العامين الماضيين في المملكة 140 مليون دينار، فبلغت عام 2013 نحو 76 مليون دينار وفي عام 2012 بلغ 73.9 مليون دينار حسب احصائيات مؤسسة تشجيع الاستثمار، فنسبة ارتفاع الاستثمار بلغ 25% وبرأس مال بلغ 180 مليون دينار لنهاية الربع الأول من عام 2014 مقارنه مع الفترة ذاتها من العام الماضي. فيما بلغت مجموع الاستثمارات السورية في المناطق التنموية والحرة ما يقارب 70 مليون دينار. وارتفاع أعداد المستثمرين السوريين خلال الربع الأول من 30 مستثمرا خلال 2011 إلى 64 مستثمرا خلال العام 2012, ليصل عددهم الى 175 مستثمرا خلال الربع الأول من العام 2014 بنسبه تجاوزت 170% مقارنه مع نفس الفترة من العام 2012.

دور الاستثمار السوري

تعتبر الجهات الاقتصادية الأردنية أن الوضع في سورية لا يحمل حتى اللحظة آفاق جديدة، وبالتالي هناك أهمية لجذب الاستثمارات السورية وتقديم التسهيلات لها بشكل يضمن ارتفاعها خلال الفترة المقبلة، ويرى الاقتصاديون أن السلطات الرسمية الأردنية تعتبر أن مثل هذه الاستثمارات تحفز الاقتصاد الوطني ويزيد من الصادرات ، ويحرك العديد من القطاعات الصناعية الأردنية، ويمكن اعتبار النموذج السوري في الأردن نقطة انطلاق لتحفيز المستثمرين للقدوم الى المملكة، والاستفادة من الميزات، والاستفادة من ظروف المنطقة وخاصة تلك التي تشهد عدم استقرار سياسي وأمني، ذلك عبر وضع التشريعات اللازمة والأطر التنظيمية التي تجعل المستثمرين يتشجعون للقدوم للاستثمار في المملكة.

لكن الصناعيين الأردنيين يرون أن على الجهات التي تمنح التراخيص للاستثمارات السورية؛ مراعاة ميزة التنافسية ما بين الصناعات السورية ومثيلتها في الأردن، وذلك لفرق الخبرة في بعض الصناعات من قبل الجانب السوري، وهناك دعوات أردنية عامة الى ضرورة إحلال العمالة المحلية مكان العمالة الوافدة وخاصة غير المنظمة مثل السورية، فالمستثمر السوري يسعى الى تشغيل الأيادي المدربة سابقاً، مما يعطي الاستثمار السوري تنافسية أعلى تفوق الاستثمار المحلي الذي يعاني أصلاً عدد من التحديات أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة.

وظهرت في بداية عام 2014 تصريحات أردنية متعددة بخصوص الاستثمار السوري، وكان أبرزها ما قاله رئيس غرفة صناعة الأردن، أيمن حتاحت، الذي دعا ضرورة تسجيل الاستثمارات السورية في المملكة لمنع وجود استثمارات غير منظمة ومرخصة تسبب بعضها بمنافسة الاستثمارات المحلية منافسة غير عادلة, فتسجيل الاستثمارات السورية في المملكة سيؤدي إلى معاملة المستثمر السوري كما يعامل المستثمر الأردني، وذلك من خلال تطبيق شروط منح التراخيص والضرائب والرسوم المفروضة على المستثمر الأردني لتحقيق المنافسة العادلة بين الصناعة الوطنية والسورية .

في اتجاه آخر فإن عدد من الصناعيين يروون ضرورة جذب الاستثمارات السورية وتقديم التسهيلات لها؛ بشكل يضمن ارتفاعها خلال الفترة المقبلة، فالقطاع الصناعي يريد الاستثمارات الخارجية وتقديم التسهيلات لها، على ان تمنح تلك التسهيلات للمستثمر المحلي كذلك لضمان تحقيق المنافسة العادلة، فالاستثمار المحلي لا يحظى بالامتيازات نفسها، فتقديم التسهيلات للمستثمر السوري لا يقابله تقديم ذات التسهيلات لمثيله الأردني، والأردن يحمل البيئة والمناخ الملائم للاستثمار والذي يحقق جدوى اقتصادية، تقديم التسهيلات للمستثمرين السوريين سيسهم وفق بعض المؤشرات لزيادة حجم الاستثمارات في المملكة ودفع عجلة الاقتصاد، مما يسهم في نقل الخبرات السورية إلى المملكة، وهي خبرات رائدة في الصناعات المختلفة ولاسيما صناعة النسيج والمواد الغذائية.

و وفق مؤسسة تشجيع الاستثمار فإن حجم الاستثمارات السوري الكلي بلغ 180 مليون دينار تركزت في معظمها على القطاع الصناعي وباقي الاستثمارات على مختلف القطاعات, متوقعاً أن ترتفع نسبة الاستثمارات السورية لهذا العام، فالبيئة الاستثمارية الآمنة والتشريعات المتطورة تزيد من نسب الاهتمام في الاستثمار في المملكة من كافة الجنسيات وخاصة الجنسية السورية التي تبحث عن الاستقرار لاستثماراتها التي شهدت تعثراً في بلادها بسبب الأحداث السائدة .

ويبدو أن ابرز العوامل التي تجذب الاستثمار السوري القرب الجغرافي ما بين البلدين وقرب العادات والتقاليد، إضافة للاتفاقيات التجارية التي وقعها الأردن مع شركاه من الدول العربية والغربية والأمريكية والكندية والتركية, وتوفر البنية التحتية، وتعتبر بعض مؤسسات المجتمع المدني أن زيادة عائدات الاستثمار السوري رغم فوائدها لكنها لا تعكس ناحية إيجابية للأزمة السورية، فحجم اللاجئين السوريين يستهلك الكثير من أي نمو اقتصادي يحققه الأردن، لكنه في نفس الوقت يقدم اتجاهات اقتصاديات المنطقة إجمالاُ، فالاستثمار السوري في الأردن يعبر عن نموذج أساسي لممكنات التعامل الاستثماري في بلاد الشام الذي يستطيع التكيف مع الأزمات عموما.

* جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات (راجع شروط الاستخدام) .

 

تقارير ذات صلة