معهد ليفانت للدراسات

الأردن واسرائيل .. سلامٌ واقعي

الأردن واسرائيل .. سلامٌ واقعي
فبراير 22
10:51 2016

مصافحة تاريخية تمت بين الملك الأردني حسين بن طلال والرئيس الإسرائيلي عيزر وايزمان، مع توقيع رئيسي وزراء الدولتين عبد السلام المجالي وإسحاق رابين معاهدة السلام في وداي عربة، كان ذلك آواخر شهر تشرين الأول من العام 1994، لتصبح معها العلاقات الأردنية الإسرائيلية رسمية وعلنية، بعد أن كانت عكس ذلك، سبق ذلك لقاء عقد في واشنطن قبل ثلاثة أشهر بين حسين ورابين بناء على دعوة من بيل كلينتون، وفي هذا اللقاء أعلنا انتهاء حالة الحرب بينهما، فصارت بذلك الأردن ثالث جهة عربية تطبّع مع إسرائيل بعد مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية.
 

العلاقات السرية بين الدولتين سبقت اتفاق السلام، وقد كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية عن علاقات سرية جمعت بينهما قبل قيام إسرائيل بثلاثة عقود، نشأت منذ عشرينات القرن الماضي بين إمارة شرق الأردن قبل أن تصبح مملكة، والوكالة اليهودية، تبع ذلك علاقة سرية مباشرة تربط الملك الأردني الراحل الملك حسين بجهاز الموساد الإسرائيلي، وتحدثت الصحيفة عن مائتي ساعة من المكالمات أو المحادثات للملك مع المسؤولين الإسرائيليين، وأن "رؤساء الموساد أحبوا الالتقاء مع الملك وهو ما تم في مقر الموساد بإسرائيل وفي قصر الملك في عمان وعلى القارب الملكي في ميناء العقبة وبمنازل خاصة في لندن وباريس"، وتفتخر تل أبيب بأنها أنقذت حياة حسين أكثر من مرة، كانت إحداها حين تدخل الجيش الإسرائيلي لمساعدة الأردن في مواجهة الجيش السوري الذي تحرك لحماية الفلسطينيين في أيلول 1970، وهو ماعرف بأيلول الأسود.

 

من سنة 1936 وحتى 1948 كانت المملكة الهاشمية لاعباً أساسياً في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فرض ذلك أولاً وقبل كل شيء موقع الأردن الجيوسياسي، ومع رفض قرار التقسيم 1947 كان الإسرائيليون يبحثون عن طرف يتحدثون إليه، فوجدوا ضالتهم في الملك الأردني آنذاك عبد الله الأول وطموحه بمشروع سورية الكبرى الذي أعلن عنه سنة 1943 لتوسيع حدود مملكته، فكانت حرب الـ 48، ضمت على إثرها المملكة الضفة الغربية بما فيها القدس، معلنة بذلك قيام المملكة الأردنية الهاشمية في ربيع 1950، ورغم المضايقات والاستفزازات الإسرائيلية اتبعت المملكة سياسة حذرة، وتحدثت أكثر من مرة عن رغبتها بحل للصراع مع إسرائيل، على أساس عودة الفلسطينيين لديارهم وقيام دولة فلسطينية، لكن إسرائيل عرقلت كل شيء ورفضت عودة اللاجئين وتعديل الحدود.

 

مع صعود التيار الناصري وتنامي الوعي القومي في الجوار الفلسطيني أواخر الخمسينيات، قلقت إسرائيل من التحولات الجديدة، ورأت في الناصرية خطر حقيقي على وجودها، كما رأت في بقاء الأردن تحت الحكم الهاشمي مصلحة عليا لها، وكان بن غوريون حدد ثلاثة أسس لمواجهة المرحلة الجديدة منها دعم الدول العربية المعتدلة المناهضة لسياسة عبد الناصر وتوجهاته الوحدوية التحريرية، ومع ذلك قامت إسرائيل بهجوم على سورية ومصر والأردن واحتلت الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء، وهو ماعرف بنكسة حزيران، ثم عادت واندلعت حرب تشرين عام 1973، شارك فيها أيضاً الأردن، لكن رغم ذلك كشف كسينجر أن المملكة طلبت إذن إسرائيل للمشاركة في الحرب ضدها، نتيجة الضغوط العربية، لتستمر بعدها اللقاءات والمفاوضات السرية بين الطرفين لحين التوصل إلى معاهدة السلام !

 

ورغم الانفتاح بين الدولتين على الصعيد الرسمي إلا أن عثرات كثيرة تقف في وجه تعزيز هذه العلاقات، أبرزها المعارضة الشعبية في الداخل الأردني للتطبيع مع إسرائيل، وعدم تجاوب تل أبيب مع مبادرات السلام المطروحة وآخرها معاهدة السلام العربية والتي طرحتها جامعة الدول العربية في قمة بيروت عام 2002.

 إضافة إلى استمرار الاستيطان الإسرئيلي في القدس والضفة الغربية، وعدم احترم إسرائيل الدور الخاص للمملكة في الأماكن المقدسة في القدس بحسب المعاهدة، وهو ما أثار موجة انتقادات أردنية رسمية، قرأها عوديد عيرن، السفير الإسرائيلي السابق بالأردن، على أنها ناجمة عن خوف الملك عبد الله الثاني، من اندلاع انتفاضة ثالثة، تؤدي إلى موجة جديدة من فرار فلسطينيين للأردن، ما يهدد بقاء النظام الهاشمي هناك، لكن الأردن لم تقم بخطوات عملية لمحاسبة إسرائيل على اختراقها التعهدات، علماً أن المملكة سبق أن كانت عضواً في مجلس الأمن الدولي لعامين، وكان بإمكانها مضايقة تل أبيب.

 

ورغم تشجيع المملكة الدول العربية الأخرى طوال الفترة التي أعقبت معاهدة وادي عربة للسلام مع إسرائيل، ومساهمتها في تفعيل لقاءات فلسطينية إسرائيلية، إضافة إلى التعاون الاستخباراتي والمعلوماتي، إلا أن تطور العلاقات شهد تراجعاً في اكثر من مرحلة وما يزال على خلفية الاعتداء الإسرائيلي المستمر على لبنان واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وفشل مفاوضات الوضع النهائي التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية في كامب ديفيد وكان من نتائج ذلك انخفاض مستوى التعاون على المستوى الحكومي بين الأردن وإسرائيل.

كلّ ذلك كرّس حالة سميت لدى المتابعين للشأن الأردني بـ"السلام الواقعي"، هذا السلام الذي لم يقدم أي تطور إيجابي لجهة المساهمة في حل الصراع العربي الإسرائيلي، بل وأكثر من ذلك أضعف الدور الأردني في القضية الفلسطينية وفي قضايا المنطقة .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة