معهد ليفانت للدراسات

الأردن .. من معبر لتجارة المخدرات إلى بيئة خصبة للتعاطي

الأردن .. من معبر لتجارة المخدرات إلى بيئة خصبة للتعاطي
سبتمبر 02
07:42 2016

تشير الإحصاءات الرسمية المعلنة في المملكة الأردنية إلى أن جريمة المخدرات ارتفعت مؤخراً بنسبة 11 % عن سنوات سابقة , وهذا وفقاً لما يُضبط فقط !، لتصبح المخدرات مشكلة تؤرق المجتمع الأردني وترهقه أمنياً واجتماعياً، وتهدد مستقبل شبابه بشكل جدّي .

كشف مدير الأمن العام الأردني، الجنرال عاطف السعودي، قبل شهر، النقاب عن أوامر ملكية مباشرة تقضي بمحارية آفة المخدرات في الأردن، متحدثاً عن تنسيق رفيع المستوى بين جميع الأجهزة في أول إشارة رسمية على قرب مواجهة المتاجرة المتسعة بالمخدرات بعد الشكوى من شيوعها، وكانت رسائل عامة قد وجهت للملك عبد الله الثاني شخصياً للتدخل بسبب الانتشار المقلق جداً للمخدرات وعلى نطاق واسع في المملكة.
 

في السنوات السابقة كان المسؤولون الأمنيون يميلون غالب الأحيان إلى "تهوين" مشكلة انتشار المخدرات، ولا زالت أسطوانة "دولة عبور" للمخدرات تستخدم عند الحديث عن أبعاد هذه الظاهرة ومدى انتشارها في المجتمع الأردني، فيما كانت المخدرات قد بدأت تباع على قارعة الطريق في مدن رئيسية، ووصل انتشارها إلى المجتمعات الصغيرة في القرى والأرياف، وهي ترتفع عاماً بعد عام نسبة انتشارها بين طلبة الجامعات وحتى المدارس وتزايدت أعداد الإناث المضبوطات في قضايا التعاطي والترويج ، وبقي المسؤولون يصرون على أنها لم تصل إلى مستوى الظاهرة حتى وقت قريب.
 

وعلى الرغم من غياب الإحصاءات المقارنة لنسب انتشار المخدرات خلال السنوات الماضية إلا أن الأرقام المتوفرة تثبت أن نسب انتشار المخدرات وتنامي تجارتها قد تضاعفت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة أكثر من عشر مرات، ففي العام 1999 بلغ مجمل قضايا المخدرات المضبوطة 905 قضايا وفق إحصاءات الأمن العام في ذلك الحين، لتقفز خلال العام 2013 إلى 7713 قضية، ثم إلى 10098 عام 2014.
 

وخلال النصف الأول من العام الحالي ضبطت السلطات الأردنية أكثر من ستة أطنان من المخدرات، وأوقفت أكثر من 13 ألف شخص بتهمة الاتجار بالمخدرات وحيازتها وتعاطيها، بحسب مدير إدارة مكافحة المخدرات.
 

وفي البحث عن أسباب تعاطي المخدرات، تركّز معظم الدراسات على أن البطالة، والفراغ النفسي، ورفقاء السوء، وقابلية بعض الأشخاص لتعاطي المخدرات، هي من أكثر الأسباب التي تدفع تجاه هذه الطريق السوداء. وفي الواقع العملي، تصعب معالجة مشكلة إدمان المخدرات من دون تصحيح الخلل النفسي أو الاجتماعي الذي يعيشه المتعاطي ذاته، على صعيده الشخصي أو على صعيد الأسرة والبيئة اللتين يعيش فيهما، أو حتى في ظل الحالة العامة للمجتمع بأكمله، والتي تسببت في سلوك بعض أفراده لهذا المنحى.
 

وبالرغم من الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية الأردنية لمكافحة الاتجار بالمخدرات وتعاطيها على الصعيدين الدولي والوطني، إلا أن نسبة هذه الجرائم ما تزال بازدياد، الأمر الذي يدفع للتفكير ومراجعة السياسة المتبعة حالياً في مواجهة هذه الإشكالية التي ما تزال التصريحات تصفها بالإشكالية، وبأنها لم تصل حد الظاهرة.
 

زيادة نسبة هذه الجريمة مقارنة بسنوات سبقت، وما يلاحظ في نبض الشارع الأردني من انتشار للمتعاطين، واستفحال المخدرات وسمومها في أجسادهم وأفكارهم، يطرح عدة تساؤلات: هل أساليب المكافحة الحالية فعّالة في الحد من انتشار هذه الآفة ؟ هل الوسائل العلاجية المتبعة في مراكز علاج المدمنين تحقق نتيجة فعّالة في إقلاعهم عن تعاطيهم المخدرات وتعمل على متابعتهم بعد خروجهم من مركز العلاج لحين إدماجهم في المجتمع والوقوف مع أسرهم في مساعدتهم تدريجياً للخروج من وحل الأزمة ؟

هل تتوفر الخطط والبرامج العلاجية والتأهيلية داخل المؤسسات العقابية للتعامل مع المدمنين وتأهيلهم تمهيداً للإفراج عنهم وإعادة إدماجهم في المجتمع ليكونوا أشخاصاً فاعلين ومنتجين بعيدين عن طرق العودة وتكرار التعاطي والدخول إلى المؤسسات العقابية مجدداً ؟ وهل تشديد العقوبة على تكرار تعاطي المخدرات في ظل غياب الوسائل الوقائية والعلاجية للمدمنين منصف بحق من جنح عن الطريق السليمة، خصوصاً أن الإحصاءات أثبتت أن معظمهم من فئة المراهقين وطلبة الجامعات ؟
 

إن الاطلاع على الإحصاءات الرسمية لنسبة "العود" (التكرار) لمدمني المخدرات، ونسبة ما يشكله أعداد متعاطي المخدرات ضمن إشكالية الاكتظاظ التي تعاني منها المؤسسات العقابية، واستقراء النسب العالية، يُعد مؤشراً واضحاً للتأكيد على ضرورة مراجعة السياسة الوقائية والعلاجية الحالية في مواجهة إشكالية تعاطي المخدرات أو الاتجار بها.
 

يعتبر مختصون أردنيون بأن مكافحة المخدرات والحد من انتشارها وتعاطيها لا يقتصر على الأجهزة الأمنية ممثلة برجال مكافحة المخدرات فقط، بل هي بحاجة إلى جهود وطنية شاملة، تتبناها الدولة كإحدى أولوياتها، بحيث تبدأ بمراجعة التشريعات وإصلاحها بالتعاون مع الخبراء والمختصين والمنظمات الدولية ذات العلاقة، وبذل المزيد من التوعية الإعلامية الواسعة والشاملة ابتداءً من الأسرة وامتداداً لأفراد المجتمع كافة.
 

كذلك توفير مراكز علاج إدمان فعّالة ذات مرافق خدمية ورياضية وترفيهية متميزة، تتضمن متنزهات ذات طبيعة نقية لخلق بيئة علاج ترغيبية، وعدم اقتصارها على البيئة العلاجية الموجود حالياً، وأن تتضمن الخطة العلاجية برنامجاً للرعاية اللاحقة للمدمنين بعد خروجهم من مراكز العلاج، وأن يمتد هذا البرنامج لأسرهم لزيادة تثقيفها حول سبل الإدماج المجتمعي لمن جنح منهم قدر المستطاع، يضاف إلى ذلك ضرورة تضمين المؤسسات العقابية برامج لتأهيل المدمنين، كتلك البرامج الموجودة في مراكز علاج الإدمان، وعدم زج الضحايا المتعاطين في السجون من دون تقديم البرامج العلاجية والتأهيلية لهم.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة