معهد ليفانت للدراسات

الأردن في مهب الريح السورية .. تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة

الأردن في مهب الريح السورية .. تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة
ديسمبر 02
22:58 2015

وفقاً لكل المعايير تقريباً، نجح الأردن حتى الآن في تجاوز الانتفاضات العربية، وعلى الرغم من الاحتجاجات العامة التي شهدها الأردن طيلة العام 2011، حافظ النظام الملكي الهاشمي في الواقع على الوضع القائم للحكم وتجنّب تقديم الكثير من التنازلات لإرساء الديمقراطية، وعلى الرغم من الاستياء الشعبي الواسع من ارتفاع الأسعار والبطالة والفساد الحكومي، فقد فشلت الاحتجاجات في حشد أعداد كبيرة من الأردنيين في الشوارع، في هذه البيئة الفاترة، قوّض الملك عبد الله الثاني بسهولة برنامج الإصلاح الشعبي للحركة الاحتجاجية عبر وسائل أردنية تقليدية للمهادنة السياسية، وبالتالي تلاشت الاحتجاجات تدريجياً في النصف الثاني من العام 2011، ومع ذلك لم ينجُ الأردن من نتائج موجة عدم الاستقرار الإقليمي، خاصة من جهة جارته الشمالية سورية.

تداعيات الأزمة السورية كانت وما زالت عابرة للحدود، وقد حدد الموقف الرسمي الأردني تجاه الملف السوري مجموعة متناقضة من الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية، وهو موقف تراوح بين الانسجام مع موقف جامعة الدول العربية الذي اعترف بائتلاف المعارضة بديلاً عن الحكومة الحالية بقيادة بشار الأسد، وبين الاعتبارات المحلية التي راعت تداعيات ذلك الموقف على المستويات المختلفة ومن بينها الموقف الأمني، ووجود التيار القومي واليساري الأردني الذي أيّد الحكومة السورية، في مقابل موقف التيار الإسلامي الذي أيد المعارضة السورية.

كما أن الموقف الرسمي الأردني تأثر بالموقف الخليجي والأمريكي المؤيد لتغيير النظام في سورية، لذلك بدا الموقف الأردني متردداً وغير واضح، وربما عن قصد، لأنه كان ولا زال يحاول أن يرضي جميع الأطراف المتناقضة.

وأسهمت تخوفات النظام الرسمي الأردني من احتمالات سقوط النظام السوري أو بقائه في إرباك المشهد السياسي الداخلي ومسيرة الإصلاح، فاحتمالات سقوط النظام وإنشاء حكومة ديمقراطية يمكن أن تعزز من فرص التحولات الديمقراطية في المنطقة العربية عموماً، ومن ضمنها الأردن، أما بقاء النظام فيمكن أن يعرقل هذه التحولات حسب تقديرات البعض، كما أن الآثار المتوقعة للأزمة السورية ستؤدي إلى اختلال كبير في ميزان القوى الإقليمي لصالح إسرائيل، وهو ما سيترك أثره الكبير على أمن المنطقة وحل القضية الفلسطينية على حساب المصالح الوطنية الأردنية.

وفيما يتصل بالتداعيات السياسية للأزمة السورية على المستوى الشعبي في الأردن، يبدو أن تناقض المواقف الشعبية تجاه الملف السوري أحدث انقساماً واضحاً في المواقف والاصطفاف، وأخذت المواقف بالتباعد إلى درجة يصعب فيها عودة الأمور إلى مستوياتها السابقة، وقد ترك هذا الانقسام آثاراً على كل مستويات التنسيق والتعاون بين القوى السياسية مثل لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة والمؤتمر القومي الإسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية، وحتى المؤتمر القومي العربي لم يسلم من ذلك.

أما التداعيات العسكرية والأمنية للأزمة السورية على الأردن، برزت مجموعة من التحديات والتهديدات، منها التأثير المباشر وغير المباشر للعمليات العسكرية بين قوات الجيش السوري وقوات المعارضة والتنظيمات المتطرفة، خصوصاً تلك القريبة أو المتاخمة للحدود حيث تتعرض الأراضي والقرى الأردنية لسقوط الصورايخ وإطلاق النار المتبادل بين أطراف النزاع، كذلك التحضير والإعداد لأي عمليات عسكرية من قبل الدول الكبرى، خصوصاً التي ترتبط بعلاقات تعاون من الأردن وما يترتب على ذلك واحتمال تطوره إلى تدخل عسكري، وأيضاً عمليات التهريب والتسلل للأفراد والأسلحة والممنوعات التي زادت بسبب العمليات وعدم سيطرة الحكومة السورية على الحدود، وزرع خلايا عمل في الداخل الأردني باستخدام اللاجئين أو التنظيمات أو الأحزاب السياسية، وتدفق اللاجئين وانتشارهم وظروفهم وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد بمعدلات الخروق الأمنية.

وهذه التداعيات الأمنية والعسكرية تفضي إلى جهود أمنية مكلفة جداً لمواجهة كافة أشكال الاختراق للأمن الوطني الأردني وما يترتب على تلك الجهود من أعباء وكلف مادية وبشرية، ورفع درجات التأهب والإنذار لدى الأجهزة العسكرية والأمنية وحالة الاستعداد القصوى، وما لها من تأثير على برامج الوحدات والمرتبات وما لها من كلفة عالية لا تتحملها الموازنات التقليدية، إضافة إلى الخسائر المادية والبشرية المباشرة الناتجة عن النشاطات العسكرية العابرة للحدود من سقوط قذائف وغيره، والكلفة المعنوية والمادية للإجراءات الدفاعية والأمنية الاستثنائية التي تستدعي المخاطر المحتملة اتخاذها، من قبيل صورايخ الباتريوت، وطائرات F-16 وغيرها، وإرباك وتوتر الجبهة الداخلية بسبب التأثيرات المباشرة بالأزمة السورية وبسبب الاستهداف المخطط له من قبل بعض الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام.

ولعل أزمة اللاجئين السوريين من أبرز التحديات التي تواجه الأردن، وهي أدت إلى تفاقم التحدّيات السياسية والاقتصادية ومعها تحدّيات الموارد المزمنة في الأردن، حيث كان تدفّق اللاجئين السوريين إلى الأردن هائلاً، فحتى حزيران 2015، تم تسجيل أكثر من 620 ألفاً من السوريين لدى وكالة الأمم المتحدة للاجئين في الأردن، ويعيش أربعة وثمانون في المئة من هؤلاء السوريين في المجتمعات المضيفة بدلاً من مخيمات اللاجئين، وقد أرهق اللاجئون السوريون البنية التحتية الاقتصادية والموارد في الأردن، والتي كانت تعاني أصلاً من مشاكل هيكلية قبل اندلاع أزمة اللاجئين.

ويبدو أن الرأي العام الأردني يبالغ باستمرار في الحديث عن الآثار السلبية لتدفّق اللاجئين السوريين، بينما تحظى الآثار الإيجابية اهتماماً أقل بكثير، مايُبرز الطبيعة السياسية لأزمة اللاجئين في الأردن، كما أن للشعور العام تجاه اللاجئين السوريين تأثيراً ضارّاً على قدرة الحكومة على الاستجابة بصورة مثمرة لتدفّق اللاجئين.

كما أن الأردن فقد الثقة في دعم الجهات المانحة الدولية، وهو يواجه النداءات الإنسانية التي تشتكي باستمرار من نقص التمويل، ومن دون الحصول على مساعدات إضافية واستجابة مستدامة لأزمة اللاجئين، سيستمر الأردن في تضييق نطاق حماية السوريين، وعليه، فإن القيام بذلك سوف يزيد من مخاطر عدم الاستقرار في الأردن والمنطقة على المدى الطويل.

وفيما يدخل الصراع في سورية وضعاً مديداً وتزداد وتيرة الاستياء العام والتوتّرات الأخرى، عمد الأردن إلى الحدّ من استجابته الإنسانية، ومع ذلك، تبدو جذور التحدّيات التي تواجه المملكة أعمق من أزمة اللاجئين، وإذا ماتُرِكت من دون معالجة فسوف تشكّل إرهاصات لحالة من عدم الاستقرار في الأردن

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة