معهد ليفانت للدراسات

اقتصاد السياحة.. والأزمة البنيوية

اقتصاد السياحة.. والأزمة البنيوية
فبراير 09
23:39 2014

حسب بعض الخبراء فإن القطاع السياحي اللبناني يمر بأصعب مراحله منذ 10 سنوات، ووفق تصريح لنقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر نقلته صحيفة الشرق الأوسط (9/6/2013)  فإنه يرى أن قرار دول المجلس التعاون الخليجي بتحذير رعاياهم من السفر إلى لبنان نسف كل آمال السياحة العام الماضي في بلد يؤمن فيه السياح العرب 65% من مداخيل القطاع السياحي.
 ومنذ عام 2011 ظهرت آثار الأزمات الإقليمية على لبنان، وعانى اقتصاده متأثرا بالحدث السوري، فبعد معدل وسطي لنمو اقتصادي عند 8% بين 2007 و2010 تراجع هذا النمو الى 1.5% في 2011 والعامل الاكثر وضوحا لتأثير الاحداث السورية كان النقص في عدد السياح. ففي العام 2009 اعلنت "نيويورك تايمز" مدينة بيروت احدى ابرز المدن العالمية مقصدا للسياحة، وبلغ عدد السياح اقصاه في 2009 وزاد في 2010 لكنه تراجع 24% في 2011 بحسب منظمة السياحة العالمية في الامم المتحدة. فشكل ذلك خسارة كبيرة للقطاع السياحي الذي يمثل 20% من الناتج القومي، أما نسبة تشغيل الفنادق التي وصلت في عام 2008 إلى 80% تراجعت في 2012 إلى 50% لتتدنى خلال منتصف عام 2013 إلى 16%.
  عمليا فإن توقعات الخبراء الاقتصادين تتحدث عن أن معدل نمو اقتصادي سيبلغ صفرا خلال عام 2014، فمعدل النمو عام 2013 انخفض إلى حوالي 1.5% بعدما كانت التوقعات بداية العام أكثر من 2%. وهذا الرقم أقل كثيرا من تقديرات حاكم المصرف المركزي رياض سلامة الذي قال الشهر الماضي إن النمو سيكون بين 2 و2.5%.
لكن الأرقام السابقة لا تقدم صورة موضوعية عن أزمة السياحة في لبنان بعد ثلاث مواسم غاب فيها السياح الخليجيون. فتدنّي أعداد الوافدين كان بنسبة 9.6% أي أن لبنان فقد فئة من السياح الأثرياء، فتضررت المؤسسات التي أُنشئت لاستقطاب هذه الأقلية، أما الباقون فأضرارهم لم تبلغ مرحلة التعبير عن كارثة. فالأزمة حسب تعبير الخبراء في هذا الموضوع هي أزمة نمط اعتمد على سياح أثرياء يرفعون أسعار الأصول المحلية.

  ولم يشهد قطاع السياحة إفلاسات أو حالات توقف عن العمل، فالسياحة تضررت بالفعل لكن مظاهر هذه المشكلة لم تتكشف بعد، فغالبية حالات الإقفال المسجّلة في قطاع المطاعم والمقاهي سببها الرئيسي كلفة الإيجار المرتفعة، وتتركّز في مناطق تخصصت في خدمة سياح خليجيين، مثل وسط بيروت وعاليه وبحمدون وسواهما. فهناك صعوبات تواجهها المؤسسات في تلك المناطق في دفع الإيجار المستحق. ففي نهاية 2011، بلغت قيمة المستحقات غير المسددة نحو 33 مليون دولار، وارتفعت في نهاية 2012 إلى 38.7 مليون دولار. وتملك سولدير معظم العقارات المؤجرة والمفارقة أن إيراداتها من الإيجارات في عام 2012 ارتفعت إلى 54.3 مليون دولار بزيادة نسبتها 9% لأنها تمكنت من تأجير مساحات إضافية، كما ترفض سولدير التفاوض على بدلات الإيجار وتصرّ على الكلفة الباهظة للإيجار التي تتراوح من 600 دولار للمتر المربع الواحد في شوارع مغمورة، وصولاً إلى 1500 دولار على الواجهة البحرية الجديدة.
  واللافت أن ضعف نشاط المؤسسات السياحية في وسط بيروت، يقابله نشاط زائد في المؤسسات العاملة في المتن، التي تعتمد على الزبون المحلّي، وهذه المعادلة التي تفرق بين الزبون المحلي والزبون الخليجي أو المغترب تنطبق على ما يحصل في مناطق الاصطياف مثل عاليه وبحمدون التي كانت تعتمد على الخليجيين بصورة أساسية. 
   وتشير الإحصاءات الى أن الأشهر الثمانية الأولى من عام 2013 سجّلت انخفاضاً في عدد الوافدين بنسبة 9.6% فقط. القادمون من دول أفريقيا بلغ عددهم 43268 شخصاً، والقادمون من أميركا 149978 شخصاً، والقادمون من الدول العربية 272603 أشخاص، والقادمون من آسيا 81612 شخصاً، ومن أوروبا بلغ عددهم 312195 شخصاً، ومن أوقيانيا 30604 أشخاص، و820 شخصاً من دول مختلفة.
هذا التراجع في السيّاح لا يفسّر ما يثار حول المؤسسات السياحية، لكن الفئة التي غابت عن لبنان هي المقتدرة وذات قدرة شرائية مرتفعة جداً، وبالتالي بات على المؤسسات السياحية أن تتكيّف مع نمط مختلف، ويرجح البعض أن تراجع السياح الوافدين هو بنسبة أكبر مما تشير إليه الأرقام. كما أن بعض النشاط ناتج من النازحين السوريين، إلا أن وجود عدد كبير من النازحين في لبنان يحمل الكثير من التناقضات، إذ بينهم فئة مقتدرة ويمكنها أن تتحوّل إلى قدرة شرائية كبيرة، لكن الفئة الأكبر هي من طبقات أدنى وسطى وفقيرة، وصولاً إلى فقيرة جداً، وبالتالي فإن وجودهم في لبنان يجسّد عبئاً وليس بديلاً من فئة السياح الأثرياء، وهناك مؤشر آخر فالعراقيون بقدراتهم الشرائية المتوسطة باتوا يمثّلون أكثر من 39% من مجمل السياح العرب.
    إن كافة الأرقام المقدمة توضح أن السياحة اللبنانية تعاني من نمط السياحة السائد، فالفنادق خارج منطقة بيروت تعاني أصلاً من تدني نسب الإشغال، ومعالجتها تحتاج إلى استراتيجيات لا علاقة لها بالأزمة الحالية، فهي منذ مراحل مبكرة لم تتعامل مع القطاع السياحي وفق معايير عامة تسعى لتكبير شريحة السياح من العالم، بل استندت إلى تمركز هذا القطاع داخل شريحة من أصحاب روس الأموال، وهو ما يستدعي البحث عن أنماط سياحية بديلة تبعد قطاع السياحة عن التجاذبات السياسية الإقليمية كما حدث في لبنان منذ اشتعال الأزمات في المنطقة.

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.