معهد ليفانت للدراسات

اغتيال السفير الروسي في أنقرة .. من خسر ومن ربح ؟

اغتيال السفير الروسي في أنقرة .. من خسر ومن ربح ؟
يناير 14
15:01 2017

اغتيل السفير الروسي في تركيا، أندريه كارلوف، في توقيت حساس، واعتقد كثيرون أن العملية ستضفي على المشهد السياسي في الشرق الأوسط دلالات أكثر تعقيداً، في المشهد المعقّد أساساً، وترخي بظلالها على تطورات الملف السوري من جهة، والعلاقات الروسية التركية من جهة أخرى، وذلك بالأحرى ماكان يهدف إليه منفذ العملية ومن يقف وراءه، بعد أن بدأت رياح الأزمة السورية تسير بعكس ماتشتهي سفن المعارضة والقوى الإقليمية والدولية التي تدعمها، ولا يمكن تجاهل أن المستفيد أيضاً من عملية الاغتيال هي الجهات التي تريد تعكير صفو العلاقات بين تركيا روسيا، خاصة دول الغرب والولايات المتحدة، المستاؤون من التقارب التركي الروسي.
 

على مايبدو أن أصحاب القرار في موسكو كانوا يعون تماماً الأهداف، وردّوا بسرعة غير متوقعة على من يعتقدون أنهم مستفيدين من العملية، وبغض النظر عن نتائج التحقيق في الحادثة، فالاغتيال لن يؤثر في العلاقات بين الطرفين، لحاجة كل منهما للآخر، بعد أن تحولا من حالة العداء إلى الشراكة، لا سيما بعد تبني أنقرة مؤخراً استراتيجية أكثر اعتدالاً تجاه الأزمة السورية.
 

الروس والأتراك بعثوا بإشارات طمأنة على مستقبل العلاقات بينهما إثر حادث الاغتيال، عندما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الهدف من الاغتيال هو إفشال تسوية العلاقات الروسية – التركية، وعملية السلام في سورية، وأن الرد على هذه الجريمة سيكون عبر تعزيز محاربة الإرهاب، فيما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "نعلم أن هذا العمل يستهدف ضرب مرحلة تطبيع العلاقات بين تركيا وروسيا، ولكن الإدارتين الروسية والتركية تملكان الإرادة الكافية للتصدي لهذا الاستفزاز"، مضيفاً "خلال اتصالي مع السيد بوتين بعد الحادث توافقت آراؤنا على أن هذا الهجوم هو عمل استفزازي، وليس هناك أي خلاف بيننا في هذا الخصوص".
 

حتى اللحظة، يظهر أن محاولة خلط الأوراق من وراء العملية باءت بالفشل، وأن السعي لقلب الطاولة على رؤوس الممسكين حالياً بمفاتيح الحل والربط في سورية، من موسكو إلى أنقرة فطهران، سيأتي بنتائج معاكسة ويقلب الطاولة على رؤوس المخططين لعملية الاغتيال، الذين اعتقدوا أنهم بثوا من ورائها برسالة ردع للروس في سورية.
 

عملية الاغتيال حدثت في مرحلة تقارب بين موسكو وأنقرة، بعد تعرّض العلاقات بين الطرفين لنكسة كبيرة إثر إسقاط الأتراك لمقاتلة روسية في 24 تشرين الثاني 2015، وقد أثمر هذا التقارب حواراً تركياً روسياً بخصوص حلب، توّج باتفاق إخراج الفصائل المسلحة المعارضة المحاصرة في أحياء حلب الشرقية، بل جاء الهجوم بعد خروج جزء مهم من المحاصرين شرق حلب، وانتقال الأوساط الروسية والتركية للحديث حول ضرورة تثبيت حالة وقف إطلاق نار مستدامة في سورية، والانتقال للعملية السياسية.
 

التوقيت الأهم للاغتيال كان في استباق القمة الروسية التركية الإيرانية في موسكو حول سورية، على مستوى وزراء الخارجية والدفاع، وقد نفذت العملية قبل القمة بيوم واحد، لكن الفاجعة الروسية لم تمنع انعقاد القمة، وعقدت وفقاً لما هو مخطط له، بسبب أهميتها الاستراتيجية.
 

في التداعيات أيضاً، وبعد أن فشل الفاعلون في تحقيق أدنى الأهداف، يمكن رؤية الاغتيال فرصة لروسيا لتقوي موقفها، وتطلق يدها أكثر في سورية، وتثقل من كفتها في ميزان الحوار والتفاهمات مع أنقرة، وتساعد موسكو في ممارسة ضغوط على أنقرة، ودفعها لجعل موقفها أكثر مرونة فيما يتعلق بمستقبل الحل في سورية.
 

استقرت موسكو وأنقرة مؤخراً، فيما يبدو، على نوع من التوافق غير الرسمي بينهما، يقضي بأن تتخلى تركيا عن دعمها لمجموعات سورية معارضة بعينها تهدد المصالح الروسية، مقابل أن تنأى روسيا بنفسها عن تأييد الجماعات الكردية السورية، وأن تسمح للقوات التركية والفصائل المتحالفة معها بدخول أراضٍ على الحدود السورية، كانت تخضع في السابق لسيطرة الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية ..

هذه التفاهمات وغيرها من المصالح الاستراتيجية السياسية والاقتصادية المتبادلة بين الطرفين، لن تؤثر فيها حادثة الاغتيال، إلا في إطار ضيّق متعلق باستثمار الحادثة في تحقيق مكاسب روسية بالضغط على الأتراك في الملف السوري خاصة من جهة، وفي إطلاق حكومة أردوغان يدها في ملاحقة المعارضين، خاصة التابعين لجماعة فتح الله غولن، بحجة وقوفهم خلف عملية الاغتيال من جهة أخرى.

 


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة