معهد ليفانت للدراسات

اعتداءات باريس .. فرنسا تغيّر أولوياتها

اعتداءات باريس .. فرنسا تغيّر أولوياتها
يناير 02
19:44 2016

أرخت الاعتداءات الارهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية، باريس في 13 تشرين الثاني 2015 بظلالها ونتائجها على المجتمع الأوروبي، وأفصحت عن حقيقة ونوايا وإمكانيات يتمتع بها تنظيم الدولة الإسلامية في الوصول لغاياته وأهدافه، واستهداف الأماكن الرئيسية والمهمة داخل العمق الأوروبي، مادفع الدول الأوروبية لاتخاذ إجراءات جديّة لمواجهة الخطر المستجد.

سعت الحكومة الفرنسية بعد اعتداءات باريس، والتي راح ضحيتها 129 قتيلاً و200 جريح إلى تحشيد الرأي العام الدولي والدول الكبرى والمؤسسات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة لاستصدار قرارات تدين الإرهاب وتوسع من دائرة مواجهته وضربه في العالم , والسعي لمشاركة الجميع في إيقاف تمدد وانتشار رقعة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، وتمكنت الدولة الفرنسية من استصدار القرار (2249) من مجلس الأمن الدولي وبموافقة جميع الأعضاء والذي يدعو إلى استخدام جميع الوسائل الممكنة لمحارية تنظيم الدولة الاسلامية وتسخير الجهود الدولية والإقليمية للتعاون في سبيل إجهاض جميع الأعمال التي يقوم بها التنظيم ومواجهته بقوة، باستخدام الأدوات التي تعيق تقدمه بل وتسعى إلى إنهاء تأثيره بالميدان.

الحكومة الفرنسية أبدت رغبتها في التنسيق العالي مع روسيا، حليف سورية الرئيسي، في جميع المجالات الأمنية والعسكرية وأدى ذلك إلى اتفاق مبدئي لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية في سورية وضرب مواقعه واستهداف أماكنه وقياداته على الأرض السورية .

كما بدأت باريس بتقديم دعم عسكري واضح للمليشيات الكردية السورية ووحدات الشعب الكردي مع مجموعة من عناصر المعارضة السورية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وطرده من أماكن تواجده في المواقع الرئيسية الاستراتيجبة التي يتحكم بها وأهمها شمال غرب مدينة حلب، ومدينة تدمر ودير الزور.

وعملت على تسخير جميع الإمكانيات والعلاقات التي تربط فرنسا مع حلفائها في الميدان العسكري والتي تشارك في النزاع والمواجهة مع تنظيم الدولة في سورية والعراق، ومنها ما جاء على لسان وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف، بقوله إن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني قال له "إنه مستعد للتدخل على الأرض في مدينة الرقة السورية".

هذا على مستوى الخطوات العاجلة، ورد الفعل الفرنسي الفوري على الأعمال الإرهابية المتزامنة التي ضربت باريس، لكن يبدو أن ماحصل سيكون له تداعيات إقليمية واستراتيجية، تطال إعادة رسم السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الشرق الأوسط، وبقطع النظر عن الخلل الأمني الذي أظهرته الاعتداءات التي تتكرّر للمرة الثانية هذا العام، بعد جريمة "شارلي إبدو" في مطلع العام، إلا أن الضغط على صانع القرار الفرنسي لن يتمثل فقط في إعادة النظر بالهياكل الأمنية الفرنسية ومدى كفاءتها ونجاعتها، بل إن تداعيات الأعمال الإرهابية في باريس ستمتدّ أيضاً إلى إعادة النظر بما يمكن أن يُسمّى مسلمات السياسة الخارجية الفرنسية في عهد الرئيس الحالي فرانسوا أولاند، ما سيعني تحولاً محتملاً في سياسات فرنسا الداخلية والشرق أوسطية على حد سواء.

على ذلك يبدو أن فرنسا ودولاً غربية ستعيد النظر في استراتيجياتها حيال سورية والعراق، بحيث بدأت تحتل محاربة "داعش" الأولوية الغربية وتتقدّم على ما سواها من أولويات في صراعات المشرق العربي.

ومن شأن وضع التنظيمات الجهادية عموماً و"داعش" كعدو رقم واحد، أن تنتهي مقولة وسردية "الإسلاميين المعتدلين" الذين طالما اعتُبروا في الغرب خصماً مقبولاً ضد أنظمة الحكم في المنطقة الغير مقبولة غربياً، خاصة النظام السوري.

المعروف أن تحالفات فرنسا الشرق أوسطية التقليدية هي مع إسرائيل والسعودية، وقد حاولت قطف بعض الثمار الاقتصادية من السوق الإيراني الواعد، حتى برغم موقفها المتشدّد في مفاوضات إيران مع الدول الست الكبرى، ولكن من الآن، يمكن تقدير أن السعودية تتصدّر قائمة الخاسرين من إعادة توجيه السياسة الخارجية الفرنسية، فالقرابة الفكرية بين الوهابية من ناحية، و "القاعدة" و"داعش" ومن على شاكلتها من تنظيمات من ناحية أخرى، تبدو عصية على الإخفاء، وعليه فإن فرنسا ستتحرك في طريق الضغط مع دول غربية على الرياض لتنسيق أجندة الأولويات، بحيث تحتل "داعش" و"القاعدة" ومثيلاتها قائمة أولويات الفعل السعودي المضاد، وهو مايبرر قيام المملكة بإنشاء تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب، في المقابل، ستفكر فرنسا في المزيد من التقارب مع إيران، إلا أن تقارباً كهذا سيكون له أبعاد تتعلق بتحالفات إيران الإقليمية.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قال إن اعتداءات باريس خطط لها في سورية، هذا الموقف سيكون مؤشراً إلى أن هناك تغييرات مرتقبة في السياسة الفرنسية تجاه الملف السوري، وهولاند قال إيضاً "إن عدونا الأساسي في سورية هو داعش" وهذا يدل على اتخاذه منحى قد يكون أكثر مرونة في الملف السوري، وهو ما قد ينسحب على المواقف الغربية ككل.

فرنسا التي تحارب المتطرفين في مناطق عدة مثل مالي وليبيا، كان لها موقف متمايز إزاء الأزمة السورية، وكان موقفها معارضاً للرئيس الأسد، ودعمت بعض الحركات المعارضة التي صنفت إرهابية كجبهة النصرة وبعض الحركات الأخرى، هذه السياسة ولدت وصول الإرهاب إلى عقر دار فرنسا التي لم يكن لديها موقف حازم تجاه الأزمة السورية، وعليه فالعنوان الرئيس في السياسات الدولية ومنها فرنسا بعد اعتدءات باريس، سيكون في المرحلة المقبلة هو الإرهاب ولكن هناك سياسات شد حبال.

التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية الفرنسي، ‏لوران فابيوس، مؤخراً بالقول إن "قوات النظام السوري يمكن أن تشارك ‏في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية"، يعد انتصاراً دبلوماسياً للرئيس السوري بشار الأسد، ‏لكنه أوضح ‏أن مشاركة الجيش السوري يمكن أن تتم فقط "في سياق الانتقال ‏السياسي"، وهنا تكمن سياسة شد الحبال الفرنسية في الملف السوري.

السعي الغربي لحلحلة الأزمة السورية، وكما هو معروف فإن فرنسا عضو أساسي في الأطراف الفاعلة في الملف السوري، والتحرك لتسريع الحل، مع غض الطرف الغربي عن المطلب القديم الجديد برحيل الأسد، يؤكد أن الإرهاب الذي بدأ ينتشر في أوروبا وأماكن أخرى في العالم بدأ بإنتاج مفاعيل وتكويعات سياسية غير متوقعة، ولن تكون فرنسا خارج هذه التغيرات المستجدة.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة