معهد ليفانت للدراسات

اعادة اعمار غزة .. قضية اقليمية

اعادة اعمار غزة .. قضية اقليمية
أكتوبر 16
20:01 2014

بعد حرب غزة 2009 انعقد مؤتمر لإعمارها في شرم الشيخ، وبعد خمس سنوات من استمرار الحصار (بدء عام 2007) اجتمعت الدول المانحة من جديد على خلفية حرب جديدة ودمار إضافي، ولكن هذا اللقاء كان في القاهرة ربما لأسباب أمنية نتيجة الأوضاع في سيناء، لكن المؤشر الأساسي لمكان اللقاء يتجاوز البعد الأمني، فمصر يبدو أنها تخلت عن "رمزية" شرم الشيخ كموقع خاص لكل ما يتعلق بالعلاقة مع "إسرائيل"، محاولة رسم علاقة مختلفة مع "غزة" على المستوى الإقليمي، والاحتفاظ بإدارة هذا الملف الذي يحمل الكثير من الصراع بين الأطراف، فعملية الإعمار ومن خلال مؤتمر القاهرة تبدو كتوزيع أدوار ليس في غزة فقط، بل أيضا في الملفات المتعلقة بـ"التسوية" التي تشكل بوابة للتنافس بين دول المنطقة، فالبعد الاقتصادي لمؤتمر القاهرة ليس أداة الضغط من قبل كافة الأطراف على الجانب الفلسطيني، بل أيضا بناء علاقات جديدة على مستوى المنطقة؛ عبر ربط الإعمار بعملية "التسوية".

الشكل الاقتصادي

الملاحظة الأولى على مؤتمر القاهرة كانت الافتقار للآليات، فهو ضم معظم المنظمات الدولية إضافة للعديد من الدول وتم رفض المشاركة "الإسرائيلية" من قبل السلطات الرسمية المصرية، ونجح المجتمعون بالحصول على تعهد من الدول الحاضرة بدفع مبلغ خمسة مليارات ونصف المليار دولار لإعادة الإعمار، وتصدرت قطر قائمة الدول المتبرعة بقيمة مليار دولار، وبقيت هذه التعهدات دون إطار زمني، بينما تم تحديد الإشراف على إدخال المواد للإعمار وتحديد نوعيتها بكل من الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية و"إسرائيل".  

في المقابل فإن عدم تحديد آليات ومدد زمنية يضع عملية الإعمار ضمن شروط سياسية ومساومات مستمرة، وهذا ما حدث سابقاً بعد حرب 2009، فتجارب الدول المانحة تتكرر دوماً على نفس السياق، والمثال الأوضح هو ما حدث في مؤتمر إعادة إعمار مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذي دُمِّر في العام 2007 وتسبب بتهجير ما يقارب 38 ألف لاجئ فلسطيني؛ حيث انعقد في فيينا (23/6/2008)، وتعهدت الدول المشاركة بدفع مبلغ 122 مليون دولار من أصل 455 مليون دولار طلبتها "الأونروا"، وبعد مرور أكثر من سبعة سنوات لم يتم إعمار سوى أقل من 50% من مساحة المخيم، وذلك لعدم التزام الدول المانحة والتأخر أو عدم الدفع.

عملياً فإن إعادة إعمار مخيم نهر البارد أقل تعقيداً من إعادة إعمار غزة، فحجم الدمار في غزة أكبر، كما أن إجراءات إدخال المواد ستخضع لعملية طويلة من أجل موافقة "إسرائيل" عليها، فمن أصل سبعة معابر باتجاه غزة هناك ستة تحت سيطرة "إسرائيل" (بيت حانون، كرم أبو سالم، المنطار، العودة، الشجاعية، القرَّارة)، بينما يخضع معبر رفح لإشراف وإدارة السلطات المصرية، التي اتخذت إجراءات إضافية نتيجة الأوضاع الأمنية التي شهدتها مصر مؤخراً، إضافة للعلاقات المتوترة أساساً مع حركة حماس.

أما بالنسبة لتكلفة الإعمار فإن تعهدات الدول المانحة ربما لا تكفي نظراً  لتباين التقديرات حول حجم الدمار، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس تحدث عن 4 مليارات دولار، لكن التقديرات التي صدرت عن السلطة الفلسطينية لاحقاً بينت أن الأضرار تقارب 7.8 مليار دولار، وهي تشمل:

  • إعادة بناء 17 ألف منزل في غزة دمرت بسبب القصف الإسرائيلي، وتكلفتها الإجمالية  2.5 مليار دولار، فبحسب الأمم المتحدة هناك أكثر من 106 آلاف شخص من بين سكان غزة البالغ عددهم 1.8 مليون شخص تشردوا ويعيشون الآن إما في ملاجئ تتبع الأمم المتحدة أو في ضيافة أسر.
  • تأهيل قطاع الطاقة الذي يحتاج 250 مليون دولار.
  • قطاع التعليم سيحتاج 143 مليون دولار.
  • 670 مليون دولار لبناء مطار وميناء.
  • باقي المبلغ للقطاعات المالية والصحية والزراعية والنقل التي لحقت بها أضرار كبيرة خلال الحرب.

على الجانب الإسرائيلي الذي لم يحضر مؤتمر القاهرة، فإنه سيجني أرباحاً مهما طالت المدة الزمنية لإعادة الإعمار أو قصرت، فالمشروع المطروح لهذا الأمر سيُبقي "إسرائيل" في موقع المحتكر للبضائع والمواد الغذائية والمواد الخام الأخرى وخدمات الطاقة والبنزين والسولار، حيث سيبقى معبر "كرم أبو سالم" منفذاً أساسياً باتجاه قطاع غزة، وذلك على حساب معابر أخرى مصرية مثل ميناء العريش، وهذا الأمر سيوفر "صناعة" كاملة للسلطات الإسرائيلية، تبدأ بالرسوم الجمركية التي ستأخذها إسرائيل مع وصول هذه البضائع إلى موانئها، مروراً بتكاليف شحن هذه المواد ونقلها حتى معبر كرم أبو سالم، إضافة لبيع مواد خام إسرائيلية لتوفير مصاريف استيرادها من الخارج، على الأخص أن طريقة عبور أموال الدول المانحة لم يتم تحديدها، مما يتيح للشركات الإسرائيلية التعامل مع هذا الموضوع بالاتفاق مع الأمم المتحدة.

يضاف إلى ما سبق  فالتسهيلات الخاصة بتحسين ظروف المعيشة في القطاع، فهي ستعبر أيضاً من "كرم أبو سالم" الإسرائيلي، وهذا يعني أن "إسرائيل" ستجني نحو مليوني مستهلك يومياً كزبائن ليس أمامهم مجال إلا أن يشتروا ويعيشوا على البضائع الإسرائيلية المختلفة، خصوصاً في ظل تراجع منتوجات غزة الزراعية وافتقارها لثروة حيوانية (سواء من البقر أو الماشية)، فموارد قطاع غزة لا توفر اكتفاءاً ذاتياً، فمع افتراض أن إجمالي إنفاق الفرد الفلسطيني في اليوم الواحد في قطاع غزة هو 10 دولارات أميركية، فإن النتيجة ستكون 20 مليون دولار يومياً و600 مليون دولار شهرياً ثمن ما يشتريه الفلسطينيون في قطاع غزة من "إسرائيل".

الأبعاد السياسية

ظهرت الأبعاد السياسية للمؤتمر بوضوح من خلال التركيز من خلال التركيز على ما اصطلح على تسمينه "الهدوء"، وهو يعني "حفظ الأمن والاستقرار" لـ"إسرائيل" بالدرجة الأول ولغزة أيضاً وذلك كاستحقاق لإستمرار التبرعات وإعادة الإعمار، والإلتزام بما تم الإتفاق عليه من شروط للتهدئة برعاية مصرية، ويبدو هذا الشرط موجه للمقاومة لتلتزم به، فالمفاوضات غير المباشرة بين الوفد الفلسطيني و"إسرائيل" الإسرائيلي برعاية مصرية مازالت مستمرة، فهي لم تصل بعد إلى وقف نهائي لإطلاق النار، ومازال الطرفان يحاولان تحسين شروط التفاوض الخاصة بهما، ويأتي تعهد إعادة الإعمار للضغط على المفاوض الفلسطيني في الجولة الجديدة من المفاوضات، ومن جانب آخر الضغط على الفلسطينيين لفرض مصالحة ضرورية أياً كانت حتى لا تضيع خطوات إعادة الإعمار داخل الخلافات السياسية الفلسطينية.

خلال تسعينيات القرن الماضي تبرعت الدول المانحة لسلطة الحكم الذاتي بمبلغ 2 مليار دولار، وكان الهدف من هذا الأمر تسهيل عملية التسوية بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993، وبعد أن أطلقت "الأونروا" في تشرين الأول 1993 برنامج "تطبيق السلام"، سارعت الدول المانحة وعددها 22 دولة بتمويل المشروع، وبلغت موازنة البرنامج في الأراضي الفلسطينية المحتلة بمقدار 83.5 مليون دولار، وكانت هذه الخطوة تحولاً في المسار السياسي للعلاقة ما بين "الإسرائليين" والفلسطينيين، لأنها تدعم اتفاق أسلو بحالة من الرخاء للاجئيم الفلسطينيين، وتحسين الخدمات الإنسانية في خطوة نحو التوطين وإسقاط حق العودة، لكن هذه الاجراءات رغم واقعيتها فشلت في دفع التسوية قدماً، ومؤتمر القاهرة اليوم يملك نفس الهدف السياسي، فالتسوية في النهاية مرتبطة بأي دعم للوضع الاقتصادي في غزة، وهذه التسوية لم تعد ثنائية الجانب (فلسطيني – إسرائيلي) فهناك دول إقليمية تسعى لأن تكون ضمن أي اتفاق جديد من أجل دعم دورها الإقليمي، وهو ما سيجعل عملية الأعمار شأناً إقليمياً بامتياز، وربما يفتح مساحة صراع إضافية على الساحة الفلسطينية.

*جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام .

تقارير ذات صلة