معهد ليفانت للدراسات

اسرائيل و الديمقراطية

اسرائيل و الديمقراطية
مايو 02
11:07 2014

 عندما ظهرت "إسرائيل" كدولة على مسرح الشرق الأوسط كان نظامها السياسي يبدو جاهزا، وبقال ديمقراطي يعتمد على تعددية حزبية، ولكنها حتى عام 1974 بقيت تحت حكم حزب واحد (حزب العمل) الذي كان "الهستدروت" كتنظيم نقابي يسيطر على مفاصل الحزب والدولة، فثقافة الحزب الواحد سادت أكثر من عقدين ونصف، وبعدها ظهرت تلك التعددية التي اعتمدت أساسا على التحالف مع الأحزاب الصغيرة، ولكن رغم "الآلية" الديمقراطية المعتمدة، فإن مشاكل النظام السياسي متعددة، وبرزت مؤخرا في أحد العناوين الأساسية في التفاوض مع السلطة الفلسطينية، حيث طُرحت يهودية الدولة، بينما كان القالب الإعلامي على الأقل يروج لدولة ديمقراطية وعلمانية، فهل مأزق "النظام الإسرائيلي" بنيوي؟ أم أنه ناتج عن ظروف خاصة أحاطت "نشكيل إسرائيل" منذ البداية؟
النظام الهجين
  ظهر النظام السياسي في "إسرائيل" مستندا إلى مرجعيات مختلفة، عثمانيةوبريطانية، وشكلت الصهيونية عصبا له، لكنه اعتمد أيضا على أسس يهودية محضة أيضا، فالاستجابة الأساسية له كانت مسألة الهجرة وتنوع اليهود القادمين من مجتمعات تملك ثقافات مختلفة، كانت المنظمة الصهيونية العالمية اختارت أسلوب التمثيل النسبويلكن هذا الخيار أدى إلى وجود نظام سياسي صعب القيادة، وهو ما أدى لاحقا إلى استمرار حزب واحد رغم نظام التعددية، فهيمن حزب العمل والاتحاد النقابي المركزيالهستدروت حتى حرب عام 1974، فكانت الهزيمة في الحرب سببا في التحول داخل العلاقات السياسية في "النظام الإسرائيلي".
  وخلال العقد الأخير تعرضت السياسة "الإسرائلية لتحولات قادت إلى محاولاتللإصلاح لم تنجح، مثل إضفاء  نظام حكم رئاسي على الطريقة الأميركية، لكن المحاولةفشلت وبقي منصب رئيس الجمهورية شرفياً ، وزادت تدخلات المحكمة العليا التي باتتنشطة أكثر فأكثر في الحياة السياسية الإسرائيلية، ومنذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي بدأت حركة هجرة مختلفة من ماطق الاتحاد السوفياتي السابق؛ أدت لتغير البنية السياسية وظهور أحزاب جديدة متشددة أثرت بشكل مباشر على بنية النظام السياسي.
  إن أهم خصائص النظام السياسي "الإسرائيلي" أنها دولة بدون دستور، ويعود هذا الأمر إلى عام 1948 مع ظهور خلاف بين المعارضين والمؤيدين لوضع دستور للدولة.وكانت وثيقة قيام الدولة حددت موعد مطلع تشرين الأول من عام 1948 موعدا أقـصىلوضع الدسـتور لكن الدستور لم يوضع، واستندت حجج معارضي الدستور إلى أنالشريعة اليهودية هي دستور إسرائيل الدائم مثل حزب أجودات يسرائيل، واعتبره آخرون قيداً على حركتهم السياسية وتطلعاتهم المستقبلية مثل بن جوريون الذي صرحبأن الدستور يجب ألا يوضع قبل هجرة من تبقَّى من يهود العالم، وقبل أن تأخذ"إسرائيل" وضعها النهائي، وفي 13 كانون الثاني 1950 قرر الكنيست أنه "يجب أنيكون لإسرائيل دستور مكتوب يوضع فيما بعد"، وهو ما يعني تأجيل المسألة إلى أجلغير مسمى، وربما من أهم نتائج عدم وجود دستور على النظام "الإسرائيلي" هو حالة اللالتباس بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. فكيق يمكن فهم "الديمقراطية وفق هذه الصيغة "الإسرائيلية"؟
التحول الأساسي
  بدأت الأزمة الأساسية داخل النظام السياسي من تعريفة الأولي على أنه ديمقراطيليبرالي قائم على الفصل بين السلطات، لكن واقع الممارسة العملية يظهر حسب وصفدان ياهف – جغرافي ومحاضر فى كلية حولون – أن المواطنين العرب في إسرائيلبدون مواطنة جوهرية وحقيقية، كما أن ليبرالية الدولة متناقصة فيما يخص مسألة إدارةالاقتصاد والموارد العامة، على الأقل حتى عقد الثمانينيات، بسبب هيمنة الدولة علىمعظم المؤسسات الاقتصادية الكبرى. من جانب آخر فإن بعض الباحثين يصنف النظام "الإسرائيلي" على أنه نظام إثنوقراطي تم تصميمه لصالح مجموعة إثنية محددةاستبعدت العرب تماماً، وهمشت من الطوائف السفاردية (الشرقية) فى الحياة السياسيةلحساب الطوائف الإشكنازية (الغربية) التي هيمنت على المناصب القيادية فى كافةالقطاعات.
  أدت هذه العملية إلى نشوء حركات اجتماعية متمردة على الهيمنة الإشكنازية من قبلالسفارديم، فكانت أحداث وادى الصليب عام 1959 (أحداث قادها وشارك فيهاالمهمشون من اليهود الشرقيين بسبب معاناتهم من السياسة التمييزية التى مورستضدهم)، ثم حركة "الفهود السود"ـ فى أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، وإذا كانالنظام السياسي حاول الاستجابة لهذه التحديات عبر السماح بتكوين أحزاب عربية،ومحاولة تحقيق نوع من التقارب بين الإشكناز والسفارديم فى عملية تمثيلهم داخلمؤسسات النظام السياسي، فإن هذه الخطوات ظلت قاصرة تماما عن حل مشكلةإقصاء العرب، وعاجزة عن إرضاء اليهود الشرقيين، وكانت إحدى المحطات الهامة بيانصدر بعد حرب 1973 من جماعة ـ الفهود السود، وجاء فيه: "إنه حتى ما قبل نشوبحرب 1973، كنا منهمكين فى حربنا اليومية مع سلطات الإشكناز البرجوازية، حاربنامن أجل تعليم وسكن وأجور معقولة أما الأمن، فتركناه فى أيدى الأجهزة المختصة التيوثقنا بتصريحاتها عن التفوق الذى لا يُقهر، حتى جاءت الجيوش العربية وبرهنت بدمائناوأشلائنا على أن ثقتنا بجهاز الأمن كانت خاطئة، وقد جئنا اليوم بعد ما تساقط الكثيرمنا، إهمالا وغفلة، نطلب الحساب".
  كان هذا البيان أحد العناصر التى مهدت للانقلاب فى النظام السياسي الإسرائيلي،فتحول من نظام قام نظريا على تعددية حزبية وتداول للسلطة، وعملياً على احتكارأحزاب اليسار العمالى، وعلى رأسها حزب الماباى للحكم منذ إنشاء الدولة، إلى نظامتتنازعه كتلتان كبيرتان، يقودهما حزب العمل من جانب كممثل لليسار، والليكود منجانب آخر بوصفه ممثلا لتجمع الحركات والأحزاب اليمينية، وخلال الفترة ما بين عام1977 (حين نجح الليكود فى الصعود إلى السلطة وأنهى سيطرة الأحزاب العماليةاليسارية على الحكم) وحتى اليوم عانت إسرائيل من عدم استقرار مزمن للائتلافاتالحكومية، وأدى فشل حكومات الوحدة الوطنية (تشكلت من الحزبين الكبيرين: الليكودوالعمل منذ عام 1984 وحتى عام 1992) إلى تعزيز مكانة الأحزاب والتياراتالسياسية الصغيرة، أو حتى الهامشية، بحيث أصبحت بسلوكها الساعي إلى تحقيقمصالح فردية أو طائفية قادرة على العصف بالاستقرار السياسي للبلاد.
وتشير الإحصائيات إلى أنه خلال 58 عاماً أجرت إسرائيل 17 انتخابات برلمانية، 5منها جرت فى موعدها القانوني، و 12 جرت كانتخابات مبكرة، وخلال الفترة من1997 إلى 2007 كان معدل ثبات الوزير في منصبه (استقالة أو تغيير حقيبة) 16شهراً للوزير الواحد، وظهر منذ الثمانينيات أن الأحزاب الصغيرة، والأحزاب الدينيةبوجه خاص، استغلت تمثيلها الضعيف فى البرلمان وهو عين ما فعلته بعض القوائم التىلم يكن يزيد تمثيلها فى الكنيست، البالغ عدد مقاعده 120 مقعداً،ـ على مقعد أومقعدين، الأمر الذى أدى بالكنيست إلى رفع نسبة الحسم في الانتخابات (النسبة التىتحدد الحد الأدنى الواجب على أى حزب الحصول عليه لدخول البرلمان)، من 1% (وهىالنسبة المعمول بها حتى الكنيست الثالث عشر (1992)، إلى 15% حتى الكنيستالسادس عشر (2003)، ثم إلى 2% فى الكنيست الأخير (الكنيست السابع عشر)،كما كانت هناك محاولة لتقوية رئيس الوزراء فى مواجهة الكنيست عبر انتخابات تجريمن اقتراعين متوازيين، أحدهما على رئيس الوزراء والآخر على عضوية الكنيست، إلا أنهذا النظام أدى إلى تعزيز نفوذ الأحزاب الصغيرة بعكس ما هو متوقع، ومن ثم تمإلغاؤه عام 2003 وكان الرئيس الإسرائيلي السابق، موشيه كاتساف، شكل لجنة منالخبراء عام 2005 برئاسة البروفيسور مناحم ميجدور، رئيس الجامعة العبرية بالقدس،من أجل وضع مقترحات لتطوير النظام السياسي الإسرائيلي، وحاولت اللجنة حسمالنقاش الذى دار داخل "إسرائيل" منذ خمسينيات القرن الماضى حول سبل تطويرالنظام السياسي وطريقة انتخابات الكنيست، وتوصلت إلى الإبقاء على النظام البرلماني واستبعاد أي احتمال للانتقال إلى النظام الرئاسي. ولم تتوصل اللجنة إلى قرار فيمايتعلق بزيادة عضوية الكنيست، واقترحت أن يتم انتخاب نصف أعضاء الكنيستبالقوائم النسبية (وهى الطريقة القائمة فعلا) والنصف الآخر بموجب الطريقة الإقليميةالفردية. 
  بقيت السلطة التنفيذية في النظام السياسي داخل "إسرائيل" الأقوى، وذلك رغم التدخلالت للمحكمة الدستورية العليا، فهي تضم رئيس الدولة و الحكومة (المجلسالوزاري) ومكلفة بإدارة الشؤون الداخلية والخارجية, وتتمتع بسلطات واسعة فلم تحددسلطاتها على سبيل الحصر, بل تشمل اي مجال لا يشمله القانون (السلطةالتشريعية)، ويبقى رئيس الدولة ذو صلاحيات شكلية، اعتمدت جميع الحكوماتالإسرائيلية بعد حرب 1973 على التحالفات لتتمكن من تشكيل حكوماتها، لعدم قدرة أيحزب في الحصول على أغلبية تضمن له تشكيل الحكومة لوحده.
  في النظام السياسي الاسرائيلي تمتلك السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع من الكنيست من الناحية العملية, والواضح أن المجلس الوزاري المصغر هو الذي يخططوينفذ تحت غطاء الواقع الأمني، فالسلطة التنفيذية تبدو حتى اللحظة امتدادا للمؤسسة إستيطانية التي ظهرت بداية عبر "اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية"، وكونت"الحكومة المؤقتة" عام 1948 ثم بعدها مجلس الوزراء.
  والملاحظ أيضا أن الكنيس هو امتداد أيضا لمؤسسة استيطانية أخرى تابعة للوكالةاليهودية قبل عام 1948 , تم تغيير أسمائها عام 1948 , فكانت "الجمعية المنتخبة" ثمتحولت الى مجلس الدولة المؤقت بعد ذلك أصبحت الكنيست عام 1949.
  عمليا فإن "إسرائيل" لا تملك نظاما سياسيا محدد الهوية، وربما تعود مسألة التأكيد على "يهودية الدولة" مخرجا لصياغة نظام أكثر انسجاما مع شكل "إسرائيل" ليس فقط على أساس "الاستيطان" بل أيضا مع حالة الصراع مع محيطها الجغرافي، وربما يؤدي إقرار هذه الهوية إلى ظهور نظام سياسي مختلف في بعض الجوانب أو ربما يظهر دستور لها بعد عقود من عدم القدرة على إيجاد دستور لها.

تقارير ذات صلة