معهد ليفانت للدراسات

اتفاق منبج : تقارب سوري كردي .. وصدمة تركية

اتفاق منبج : تقارب سوري كردي .. وصدمة تركية
مارس 23
08:32 2017

منذ انتهاء عمليات قوات درع الفرات السورية المعارضة مدعومة بالجيش التركي في مدينة الباب شمال حلب، بدأت تركيا التحضير على مراحل للتحرك باتجاه منبج، البلدة الواقعة تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية، وحشد الأتراك قواتهم على الضفة الشمالية لنهر الساجور، مادفع مجلس منبج العسكري إلى إبرام اتفاق مع الجيش السوري برعاية روسية على مرحلتين، وسلّم خلال المرحلة الأولى القرى الواقعة بالريف الشمالي لمنبج إلى الجيش السوري، ليتم لاحقاً تسليمه البلدة بالكامل، بعد أن ضاقت الخيارات أمام القوات الكردية، فكان الحل الوحيد الخروج من نقاط الاشتباك المباشر مع الجيش التركي وتركها للجيش السوري.
 

بعد تجارب سابقة لقوات سورية الديمقراطية مع حليفها الأمريكي، الذي دعمها لسنوات في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، تأكد لها أن واشنطن لن تكون قادرة على تقديم حماية حقيقية لها من الاندفاع والتمدد التركي في الأراضي السورية، خاصة بعد الخيبات الأخيرة في عدم قيام الأمريكيين بالضغط على حليفتهم التقليدية تركيا لوقف الاعتداء على فصائل "قسد" في عقر دارهم، مادفع هؤلاء لقرع باب الجيش السوري باليد الروسية.
 

التهديد التركي للمجموعات الكردية متمثلة بـ"قسد" منذ تدخل تركيا مباشرة في الميدان السوري، كان ورقة رابحة في يد الحكومة السورية، لكبح الهدف الكردي المعلن بإنشاء كانتون خاص بهم  في الشمال، وأكثر من ذلك، بات الهدف الكردي أكثر تواضعاً في ظل المتغيرات السياسية والعسكرية الجديدة، ومحصوراً بما يؤمن للطرف الكردي البقاء في خارطة السياسة السورية للدخول لاحقاً في ناتج الحل السوري.
 

في المقابل، فإن تسليم مدينة منبج للحكومة السورية تسبب بضربة موجعة لأهداف أنقرة التوسعية في الداخل السوري، وإنشاء مناطق آمنة في الشمال السوري تحت الوصاية التركية، كما أن هذا الاتفاق شكّل صدمة بالنسبة إلى تركيا التي مهّدت مصالحتها مع روسيا بعد حادثة "إسقاط السوخوي" لتدخلها في الميدان السوري، وهي التي كانت تعوّل على روسيا للحؤول دون وقوع مواجهة مباشرة بين قواتها والجيش السوري خلال سعيها إلى وضع حدّ للتوسع الكردي.
 

أيضاً، الدخول السوري إلى منبج فتح الطريق أمام الجيش السوري للدخول إلى ريف الرقة من الخاصرة الغربية، شرط حدوث توافق بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية على شكل المعركة وأهدافها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كما أن اكتمال التفاهمات بين الطرفين سيصل منبج بحلب بطريق تجاري من شأنه أن يمكن الجيش السوري من نقل معدات عسكرية ومواد أساسية إلى أراضي محافظة الحسكة التي عزلها تنظيم "داعش" برياً عن بقية الأراضي السورية، من خلال قطعه للطرقات الواصلة إليها في أراضي محافظتي الرقة ودير الزور.
 

إذا ما أضيف إنجاز دخول الجيش السوري منبج، إلى التقدم الأخير في تدمر، والتقدّم شمال شرق حلب، وثبات الجيش في دير الزور، فإن ذلك يشكّل دائرة قوة حول معقل تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة، ستحدث تحوّلاً نوعياً إذا ما اكتمل التفاهم بين الجيش والأكراد، في ظل الاستعصاء التركي – الكردي وعجز واشنطن عن حلّه.
 

وفيما يرى بعض المراقبين أن دخول الجيش منبج سيدفع تركيا إلى البحث عن مبررات لإسقاط اتفاق وقف إطلاق النار في سورية، حسب تفاهمات آستانا، يبدو أن الأتراك يتحركون عكساً، عبر الاحتماء باتفاق آستانا بدلاً من تجميده أو الإطاحة به، وذلك لتفادي مواجهة مع الجيش السوري ومن وراءه روسيا، والقبول باعتبار الانتشار الذي سينفذه الجيش السوري شمال سورية في مناطق الأكراد وقراهم لعزلها عن الأتراك وجماعاتهم جزءاً من التفاهم الضروري مع موسكو.
 

الخيارات الصعبة أمام أنقرة، والحاجة للحفاظ على قواعد التعاون مع موسكو، ستدفعها لتقبّل الأمر بكل ما فيه من مرارة، بعد أكلاف عالية في معركة الباب.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة