معهد ليفانت للدراسات

إسرائيل وتركيا .. حلف الضرورة

إسرائيل وتركيا .. حلف الضرورة
مايو 28
09:49 2017

مثّل اعتراف تركيا بدولة إسرائيل في آذار 1949 بداية العلاقات بين الطرفين، لتتطور فيما بعد في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ووصلت حد الشراكة الاستراتيجية، لتصبح إسرائيل الشريك العسكري الأكبر ومورِّد الأسلحة الأول إلى تركيا، جمعت بينهما هواجس مشتركة متعلقة بالوضع الإقليمي في جوارهما المضطرب.
 

منذ خمسينات القرن الماضي كانت تركيا أوثق حلفاء إسرائيل في المنطقة، واستندت العلاقة بين الجانبين إلى  مبدأ "حلف الأطراف"، الذي أرسى قواعده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن غوريون، حيث استغلت إسرائيل التوتر في العلاقة التركية العربية، ونجحت في بناء علاقات ذات طابع إستراتيجي، عوضتها عن العزلة الإقليمية الناجمة بشكل أساسي عن حالة الصراع الدائر مع الدول العربية.
 

كانت تل أبيب تحديداً هي التي حظيت بنصيب الأسد من العوائد الإستراتيجية لهذه العلاقة، وقد انطلقت النخب العلمانية التي توالت على حكم تركيا، سواءً العسكرية أو المدنية من افتراض مفاده أن تعزيز العلاقة مع الغرب وتحديداً مع الولايات المتحدة يستدعي ابتداءً توثيق العلاقة مع إسرائيل، وبفضل هذه العلاقة، تعاظم التعاون الاستخباري والأمني بين الجانبين، وأصبحت تركيا أكبر مستورد للمنتجات العسكرية الإسرائيلية، حيث بلغ متوسط حجم ما تستورده أنقرة من السلاح سنوياً مليار دولار سنوياً، في حين تحولت أجواء تركيا ومياهها الإقليمية إلى ساحات تدريب لسلاحي الجو والبحرية الإسرائيلية، وقد وصل الأمر إلى حد إن تركيا كانت على استعداد لبيع المياه لإسرائيل.
 

توطّدت علاقات التعاون بين إسرائيل وتركيا خلال عقدي الثمانينات والتسعينات إلى أن بلغت مستوى التحالف السياسي والاستراتيجي والعسكري، وأثارت هذه العلاقات شكوكاً لدى معظم الدول العربية، أضيفت إلى مشاعر الحذر المتبادل انطلاقاً من إرث العلاقات الثقيل ما بين العرب والسلطنة العثمانية.
 

مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أنقرة عام 2002، واجهت العلاقات التركية – الإسرائيلية أزمة ثقة، وتوتر دائم، سببته حادثة الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية 2010، الذي كان متوجهاً لفك الحصار عن قطاع غزَّة، ووصلت الأمور إلى حد المواجهة السياسية المفتوحة بين أنقرة وتل أبيب.
 

وعلى الرغم من البرودة التي خيَّمت على العلاقات التركية – الإسرائيلية بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، فقد وصفت تل أبيب العلاقات مع تركيا بداية العام 2006 بأنها "كاملة ومثالية"، وكانت زيارة خالد مشعل، القيادي في حماس، إلى أنقرة قد تسبَّبت ببدء هبوب رياح باردة على العلاقات التركية – الإسرائيلية.
 

لكن ذلك لم يمنع تطور العلاقات الإسرائيلية – التركية بشكل مطَّرداً في المجال السياسي، وفي زيارة قام بها الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز إلى تركيا، عقد فيها مباحثات مع الرئيس عبد الله غول في تشرين الثاني 2007، دُعي الرئيس الإسرائيلي لإلقاء خطاب في مجلس الأمة التركي، وكانت هذه المرّة الأولى التي يدعى فيها رئيس إسرائيلي لإلقاء خطاب أمام برلمان لبلد أكثرية سكانه "الساحقة" من المسلمين، وعلى صعيد التمثيل الدبلوماسي فإن لإسرائيل بعثة ديبلوماسية كبيرة موزَّعة ما بين السفارة الموجودة في العاصمة أنقرة وقنصلية عامة موجودة في اسطنبول،
 

كان من الطبيعي جداً أن تنمو العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل في ظل النمو الكبير الذي شهدته العلاقات السياسية والديبلوماسية، لقد وقّع البلدان اتفاقية للتجارة الحرّة بينهما في كانون الثاني 2000، وسميت "اتفاقية التجارة الحرة التركية – الإسرائيلية"، واعتبرت مهمة جدًا بالنسبة إلى إسرائيل لأنها الأولى التي توقِّعها مع أي بلد آخر ذي أكثرية سكانية من المسلمين، وتبلغ الصادرات الإسرائيلية السنوية إلى تركيا 1.5 مليار دولار، والواردات منها مليار دولار، وكانت قد وضعت خططاً أولية لتوسيع التبادل التجاري ليشمل بناء خط لنقل المياه العذبة من تركيا إلى إسرائيل بالإضافة إلى الكهرباء والغاز والنفط.
 

في مجال التعاون العسكري الذي يعيد بعض الخبراء بدايته الحقيقية إلى الاتفاق السرّي الذي وقَّعته رئيسة الوزراء التركية تانسو تشيلر وقضى بتبادل المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل، وتنسيق الجهود ضد الإرهاب العام 1994، وقد فتح الاتفاق العسكري "السرّي" الباب على 16 اتفاقاً للتعاون في المجال العسكري، وكان آخر اتفاق وقع بين الطرفين في أثناء زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الأخيرة في كانون الثاني 2010، وحاولت تركيا نفي الخبر إلا أن الصحافة الإسرائيلية قد أكدت التوقيع. ويقضي هذا الاتفاق بحصول تركيا على عدة أنظمة متطوِّرة في مجال الطيران، وتبلغ قيمة العقد 141 مليون دولار، ويتشارك في تنفيذه سلاح الجو الإسرائيلي وشركة ألبت للصناعات الجوية.
 

بعد الهجوم الإسرائيلي على سفينة مرمره ومقتل تسعة مواطنين أتراك، كانت ردود الفعل التركية صارمة وعنيفة على الهجوم، وقد أُلحقت الانتقادات اللاذعة بسحب السفير التركي من إسرائيل، كما ألغت تركيا مشاركة إسرائيل في ثلاثة تمارين عسكرية، ومنعت أيضاً تحليق الطائرات العسكرية الإسرائيلية فوق أراضيها.
 

شاب الحذر رد حكومة أنقرة على مقتل النشطاء الأتراك، وتمثل ذلك في حقيقة أن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين ليس فقط لم تمس بسبب الأزمة، بل إنها تعاظمت خلال فترة القطيعة الدبلوماسية وتجميد التعاون الأمني والاستخباري، ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت أكثر من 5.6 مليار دولار، وضمن ذلك استيراد الأسلحة والمنتوجات العسكرية، والمفارقة إن حجم الاستثمارات التركية في إسرائيل قد قفزت خلال القطيعة الدبلوماسية بشكل كبير.
 

لقد ظلت إسرائيل الرسمية ترفض بشدة مبدأ الاعتذار لتركيا وتقديم تعويضات لعوائل القتلى الأتراك، لكن باستثناء بعض مواقف اليمين المتطرف الهامشية، فقد أيدت النخب السياسية والأمنية بحماس قرار الاعتذار لتركيا وتقديم التعويضات لذوي القتلى، وحاولت إسرائيل الرسمية حصر الأسباب التي دفعتها لتقديم الاعتذار لتركيا في القول إن هذه الخطوة تحسن من قدرتها على مواجهة التداعيات "الخطيرة" المحتملة للأزمة في سورية.
 

فقد نتج عن تطورات الأزمة السورية مهددات مشتركة للطرفين، في مقدمتها انتشار التنظيمات الإسلامية المتطرفة، والتواجد الروسي العسكري المباشر في سورية، وهو عامل مهدد لكلا الطرفين، بغض النظر عن درجة التنسيق بين روسيا وإسرائيل، كذلك النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، وخصوصاً في سورية، والذي ينظر له الطرفان بنوع من الريبة، تحديداً بعد الاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1 الذي يتوقع أن يزيد من هذا النفوذ.
 

إذا كان تطبيع العلاقات وعودة التمثيل الديبلوماسي بين تل أبيب وأنقرة هو النتيجة الأخيرة لتطورات الأحداث في المنطقة، إلا أن حجم المتغيرات خصوصاً لدى الطرف التركي لا ينبئ بتجديد تحالف استراتيجي قديم بينهما، بقدر ما يخدم اتفاق الضرورة في ظلّ الظروف المستجدة، خاصة أن النظام السياسي في أنقرة يطيح تدريجياً بالنخبة العسكرية لديه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، هذه النخبة التي أسست وتؤيد التحالف مع إسرائيل، لذلك فإن البرودة ستلازم العلاقات الإسرائيلية – التركية وسيبقى التعاون محصوراً في المجال الاقتصادي، اللهم إلا ماقد تفرضه ضرورات المرحلة.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة