معهد ليفانت للدراسات

أنان , الابراهيمي , ديمستورا .. أدوار قاصرة في سورية

أنان , الابراهيمي , ديمستورا .. أدوار قاصرة في سورية
فبراير 08
23:45 2016

مع تدويل الأزمة السورية وعقب اندلاعها بأشهر قليلة، أوفد إلى سورية كوفي أنان، مبعوثاً مشتركاً للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وبذل جهوداً حثيثة لكنها تكللت بالفشل ودفعته لتقديم استقالته، بعد أن وضع الخطوط العريضة لمبادرة من 6 بنود، مثلت أرضية لبيان "جنيف1" في حزيران 2012، ثم جاء بعده الأخضر الإبراهيمي، وبعد جولات مكوكية مماثلة بين أطراف النزاع والقوى الإقليمية والدولية المؤثرة أعلن الإبراهيمي فشل مهمته في التوصل إلى حلول للأزمة بعد انسداد الأفق في وجه مفاوضات "جنيف2".

كوفي أنان وخلال مهمته أعلن عن خطة لوقف إطلاق النار في نيسان 2012، ورغم الإجماع الداخلي والدولي على هذه المبادرة، فإنها لم تأخذ طريقها إلى التطبيق، وهو ما أدى في النهاية إلى استقالته، وعقب الاستقالة ألقى أنان، في مؤتمر صحفي في جنيف بسويسرا، اللوم على "انعدام الإجماع في مجلس الأمن الدولي" معتبراً أنه "أثر بشكل جذري على فاعلية المهمة التي أخذها على عاتقه"، وافقه في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون معرباً عن أسفه لكون "الانقسامات المستمرة داخل مجلس الأمن أصبحت عائقاً أمام الدبلوماسية وجعلت تحرك أي وسيط أكثر صعوبة"، وأضاف عنان "في الوقت الذي نحتاج فيه – ويحتاج فيه الشعب السوري بشدة – للعمل يستمر تبادل الاتهامات واللعنات في مجلس الأمن".

ثم جاء تعيين الديبلوماسي الإيطالي ستافان دي ميستورا مبعوثاً خاصاً إلى سورية، ليثير من جديد تساؤلات كثيرة حول دور الأمم المتحدة في حل النزاعات، بعد مرور أكثر من سنة ونصف على تعيين المبعوث الثالث دون تحقيق أي تقدم على طريق حل الأزمة.

مبادرات ذات أهداف إنسانية، هي الصفة التي صبغت تحركات دي ميستورا، لتخفيف معاناة المدنيين المحاصرين في أكثر من نقطة على الأرض السورية، حاول تطبيقها بداية في حلب، مروّجاً لعمليّة "تجميد القتال"، وفي حلب نفسها دفنت المبادرة، بل اللافت أن مبادرات إقليمية واتفاقات بين أطراف خارجية فاعلة في الأزمة السورية ساهمت في تجميد القتال في أكثر من نقطة ساخنة وإدخال مساعدات إنسانية، ولو لفترة مؤقتة، فيما يقف المبعوثون الدوليون عاجزين عن تحقيق أي تقدم ملموس.    

يعتبر تناقض المصالح وخلافات القوى الفاعلة في المجتمع الدولي، وبالتالي الانقسام داخل أروقة الأمم المتحدة العامل المشترك والأكثر تأثيراً في فشل المبعوثين الدوليين في تحقيق الأهداف التي عُيّنوا لأجلها، ذلك أن المؤسسة الأممية محكومة أساساً من القوى العظمى وخاضعة لتقييمات وسياسات هذه القوى، ليتحول الدور الأممي إلى مصدر إعاقة في حل الأزمات وذلك بعكس الدور التي أنشئت لأجله الأمم المتحدة والمناط بها أصلاً .

المزاودات الدولية بين المحاور المتصارعة بقطبيها الأمريكي والروسي، عطلت إمكانية التفاهم والوصول إلى حل سياسي للأزمة، ورغم أن هذه القوى اتفقت بداية على وضع بيان "جنيف1" الذي حاز إجماع كافة الأطراف، إلا أن التفسيرات المتضاربة والمتناقضة وعدم تقديم تفسير موحد انعكس سلباً على نشاط المبعوثين الأمميين – الإبراهيمي و دي ميستورا – وعقّد الحل أكثر مما ساهم في تسهيله، وسط صلاحيات محدودة للمبعوثين لاتتعدى دور التنسيق وإيصال الرسائل بين أطراف النزاع والقوى التي تقف خلفها، حتى أن تشكيل أو تسمية الوفد المعارض في "جنيف3" مؤخراً لم تكن من صلاحيات دي ميستورا، بل كانت من صلاحيات القوى الفاعلة في الأزمة السورية، ليصل إلى جنيف ثلاثة وفود معارضة لاتقبل بعضها بعضاً، فيما الوفد القادم من الرياض يريد احتكار المقعد المقابل للحكومة السورية.

الانقسام الدولي حول الأزمة السورية وتصاعد وتيرة التدخل الخارجي جعل من المبعوثين الدوليين مقيدي الأيدي، غير قادرين على تحقيق أية نتائج ملموسة، مع ارتباط تحركاتهم بالأدوار الإقليمية والدولية الفاعلة في الأزمة، وتعويل المبعوثين على دور هذه الدول في إقناع أطراف النزاع بالجلوس على طاولة التفاوض، إضافة إلى اتهام الأطراف المتصارعة للمبعوثين بالتحيّز وعدم الحياد، والعمل لصالح جهات معينة.

تعرُّضُ المبعوثين الدوليين لانتقادات متعددة من جميع أطراف النزاع حالة شائعة لها تأثيرها على عمل المبعوثين، ليس في سورية فقط، بل في جميع الدول التي تشهد نزاعات، ويصل النقد حد اتهام المبعوثين بالتسبب في اندلاع الأزمات التي كان سبباً لوجودهم ولم يكونوا سبباً في وجودها.

ورغم أهمية جهود المبعوثين الأمميين في إقناع أطراف النزاع السوري بالجلوس على طاولة التفاوض، أو قبول هدنة ولو مؤقتة، إلا أن هذه الجهود مرتبطة أيضاً بمدى قبول القوى الخارجية الفاعلة، وهذه القضية تواجه عدة عقبات، في ظل اتساع نطاق الخلافات بين هذه القوى.

دور الأمم المتحدة في الأزمة السورية وفي معظم الأزمات التي تعصف بالمنطقة والعالم، بات مثار مشكوك به في أوساط الرأي العام، وأضحت مصداقية مجلس الأمن الدولي، أعلى سلطة إجرائية دولية، على المحك، والذي تتمتع فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا بحق النقض (الفيتو)، ووجهة النظر السائدة اليوم أن الدور الأممي لم يعد سوى مجرد دور شكلي مجرد من أي مصداقية عملية، إلى جانب حالات الفساد والمحاباة السياسية والبيروقراطية التي أصبحت واقعاً لايمكن إنكاره، له تأثيره السلبي على الدور المنوط بها بمبعوثيها.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة