معهد ليفانت للدراسات

أسئلة الإسلام السياسي في مرحلة التحولات

أسئلة الإسلام السياسي في مرحلة التحولات
نوفمبر 15
23:29 2013

   قبل عام تقريبا كان "الإسلام السياسي" يرسم خارطة الشرق الأوسط عبر صورة غير مسبوقة في التاريخ الحديث للمنطقة، فلأول مرة منذ انهيار "الخلافة العثمانية" اكتسبت سلطة "الإسلام السياسي" شرعية دولية بعد الربيع العربي، ووصل الأخوان المسلمون في مصر إلى السلطة بعملية ديمقراطية، ورغم أن اسم حزبهم تغير لكن القاعدة الأساسية بقيت كما هي ليظهروا على "هرم التحول" على مستوى المنطقة، بينما كان حزب النهضة في تونس ينهي مرحلة طويلة من "العلمانية" التي ميزت هذا البلد منذ استقلاله عن فرنسا.

   عمليا فإن قراءة الحراك الإسلامي على مستوى التحولات التي اجتاحت العديد من الدول العربية يخرج اليوم عن مألوف أي دراسات سابقة، فمستوى الصراع ما بين الإسلام السياسي والسلطة اتخد منحا مختلفا بعد مرحلة "الربيع العربي" الذي تحول إلى "اضطراب سياسي" وعنف متبادل على المستوى الاجتماعي، فالتعامل مع الحراك الإسلامي انتقل وفق اتجاهين:

–       الأول هو تشكيله لذروة التحول الإقليمي بعد أن كان طوال عقود ضمن مربع واحد في صراعه مع السلطة السياسية في كل بلد من دول الشرق الأوسط، فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين كانت حركة الأخوان المسلمين على سبيل المثال نموذج الصدام الرئيس مع الأنظمة السياسية، وكانت متهمة أساسا بأنها تعيق التحولات أو عملية التغيير الاجتماعي في مصر وسورية وحتى في تركيا. لكننا ومنذ بداية "الربيع العربي" أصبح الأخوان يقودون تحولا لبلورة "محور" إقليمي كان من المتوقع أن يغير من الجغرافية – السياسية للمنطقة ككل.

–       الثاني هو مستوى الشرعية الدولية التي دفعت هذا الحراك كي يتطور ويبلور حالة دولية مستقلة عن "نموذج الإرهاب" في أفغانستان أو الصومال أو حتى عن التاريخ العنيف للحركات الإسلامية بما فيها تجربة جبهة الانقاذ في الجزائر وذلك بغض النظر عن أسباب تحولها نحو العنف، فالشرعية الدولية هي التي مكنت الحركات الإسلامية منذ نهاية عام 2011 على التعامل بحرية أوسع في فرض برنامجها باتجاه رسم تحولات شرق أوسطية عميقة تغير من طبيعة الأزمات في تلك المنطقة من ومحاور الصراع الكلاسيكي الذي اتخذ بعدا قوميا بالدرجة الأولى.

  في قراءتنا التالية لن تكون مهمتنا معالجة الطروحات السياسية للحركة الإسلامية، فالتركيز سينحصر ضمن إطار تفكيك الدور الذي بدأت تعلبه، فرغم انهيار مشروعها السلطوي مع "إزاحة" الرئيس المصري لكن في المقابل فإن الملامح العامة للتحول الذي رسمته مازال قائما وربما سيستمر رغم فشل بناء محور شرقي أوسطي يرتكز أساسا إلى تركيا ومصر.

أولا – الإسلام وزاوية العلاقات الإقليمية:

   يصعب فهم دور الإسلام السياسي دون قراءة حدثين أساسيين متلاحقين على مستوى الشرق الأوسط، الأول كان في إيران مع انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة الإسلامية في الأول من نيسان عام 1979، وهذا الحدث لم يكن محفزا فقط على مستوى الحركات الإسلامية فقط لكنه دفع باتجاهين:

الأول – هو انتصار نموذج إسلامي سياسي يشكل على المستوى المذهبي حالة تحد بالنسبة للدول القريبة من إيران التي تتخذ أساسا الشريعة الإسلامية عنوانا لها، فالثورة الإسلامية رغم انها لم تقم باستفزاز مذهبي واضح لكنها كونت بتجربتها افتراقا واضحا عن كافة نماذج الإسلام السياسي، السني وفق التوصيف المذهبي، وشكلت محفزا حقيقيا على المستوى الإقليمي على الأخص أنها انخرطت بسرعة في الصراع المركزي للشرق الأوسط عبر معاداة الولايات المتحدة وتبنيها للصراع ضد إسرائيل.

الثاني – هو الخلل الإقليمي الناتج عن سقوط الجناح الشرقي للشرق الأوسط بمعاداة عنيفة للولايات المتحدة بعد أن كان حكم شاه يشكل نقطة استنادا جيوستراتيجية بالنسبة لواشنطن، وربما ليس بعيدا عن هذا الخلل تصريحات زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي في تلك المرحلة جيمي كارتر، التي رجحت الاعتماد على العوامل الدينية للتخفيف من العوامل القومية في الشرق الأوسط، والنتيجة كانت ظهور البذور الأولى لتنظيم القاعدة ولحركة "الجهاد" والتطرف التي استوعبت لاحقا معظم الحركات الإسلامية في المنطقة، لكنها في نفس الوقت شقت الطريق نحو تنظيمات مختلفة بنيويا عن بداية الحركات الإسلامية مثل الأخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر

   أما الحدث الثاني فكان الاجتياح السوفييتي في 27 كانون الأول من نفس العام لأفغانستان، وهو ما دفع باتجاه تحرك دولي – إقليمي قادته الولايات المتحدة بالاعتماد على مصر والمملكة العربية السعودية لإغراق أفغانستان بحرب طويلة الأمد ترهق السوفييت لكنها على المستوى الإقليميي تؤسس للحركات الجهادية التي استمرت حتى بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، فما حدث بعد أن أتم السوفييت انسحابهم من أفغانستان في 2 شباط 1989 هو تأسيس حقيقي وربما "شرعية اجتماعية" لحركات "الجهاد الإسلامي" التي نافست وبشدة باقي تكوينات الإسلام السياسي، وأثرت حتى في منهجها فشهدنا منذ اواسط الثمانينات صعود حركة حماس على حساب التشكيلات السياسية العريقة، ومن جانب آخر انتشار شبكات العنف التي عُرفت باسم الأفغان العرب وخاضت صراعا عنيفا في مصر وفي السعودية والجزائر وغيرها من دول المشرق العربي.

   ويبدو المشهد الأساسي منذ عام 1979 تاريخ انتصر الثورة الإسلامية في إيران والاجتياح السوفييتي لأفغانستان متمحورا حول ثلاث نقاط:

–       الأول أن الحركات الإسلامية لم تعد ضمن مظهر محلي، ومشروعها الواسع الذي استند لتأسيس ثقافي ممنهج منذ ظهور حركة الأخوان المسلمين في مصر آذار من عام 1928م على يد حسن البنا، أصبح منذ بداية الثمانينات عاملا إقليميا بنفوذ دولي.

–        الثاني هو ظهور طور جديد في نوعية الصراع ما بين الإسلام السياسي والدول الإقليمية، ورغم أن هذا الأمر يعود لمراحل سابقة في بداية العقد السادس من القرن الماضي، مع التداخل الفكري للأخوان المسلمين في مصر مع ما تركه كل من أبو أعلى المودودي وحسن الندوي من تراث خاص بالحركات الإسلامية، لكن مع نهاية العقد السابع من القرن العشرين أنتج هذا التداخل جيلا جديدا من المنظرين الجهاديين أمثال عبد الله عزام وعصام البرقاوي، ورغم ان سيد قطب هو الأب الرحي لهذا الاتجاه لكن الجيل الثاني كان يملك المقومات لاختبار "الجهاد" وممارسته بعيدا عن قيود النظمة السياسية أو الواقع الاجتماعي الذي كان يحمل صراعا فكريا ما بين الحداثة والتراث. فالحركة الجهادية تخلت نهائيا عن كل أشكال الصراع الفكري ودخلت في إطار "الانقلاب السياسي"، وظهر هذا الأمر أيضا بسورية مع بداية الثمانينات من القرن الماضي.

–       الثالث أن احتمال التأثير الدولي على الشرق الأوسط من خلال الحركات الإسلامية لم يعد مجرد أحد "الاحتمالات" بل الأكثر ديناميكية وقدرة على التأثير، رغم العداء الظاهري لهذه الحركات التي اكتسبت خبرة التعبئة من خلال عملها على المستوى العالمي وتأسيسها لشبكات دولية بمعرفة معظم عواصم القرار الدولي.

  في بداية الألفية الجديدة كان الإسلام السياسي ينتقل باتجاه مشروع إقليمي جديد، فطوال عقدين شكل عاملا في إعادة رسم العلاقات الإقليمية وإعادة تركيبها على قاعدة بناء محور وفق مستويين: الأول على المستوى الرسمي للسياسات والثاني على مستوى التشكيلات الإسلامية، فالحركات الإسلامية حملت حالات متضادة ففي مقابل القاعدة كان هناك حزب الله، وعلى مستوى السلفية الجهادية كان هناك حماس، وبالتالي فإن العلاقات الإقليمية المتناقضة كانت تستند إلى صياغات "إسلامية"، بعد أن كانت في بداية الحرب البارد تعتمد على حركات النضال القومي والوطني.

ثانيا – الإسلام والتجانس الإقليمي

   لم تكن أحداث 11 أيلول 2001 انتقاما من القاعدة من الولايات المتحدة بقدر كونها انهيارا في نظام الشرق الأوسط وعلاقته مع منظومة "الحركات الإسلامية" على تنوعها، فتلك الأحداث جرت بعد أن تم حشر الجهاديين في أفغانستان وربطهم بقنوات دبلوماسية ببعض دول الخليج العربي، فالخروج من الدول الأساسية مثل مصر والسعودية وسورية أوجدت "إرهابا" في مناطق اخرى فتم تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي بكينيا ودار السلام بتنزانيا عام 1989، وبمعنى آخر فإن تنظيم القاعدة على سبيل المثال أصبح اتجاها لا يعبر عن وضع إقليمي للشرق الأوسط يخضع لاختناق في أزماته سواء في العراق أو فلسطين، وكانت احداث الحادي عشر من أيلول مقدمة لسلسة اختبارات لإحداث تحولات عنيفة في المنطقة انتهت بأحداث "الربيع العربي".

   بعد الضربة الأمريكية لأفغانستان عام 2001 جاء الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، وبغض النظر عن التوازنات الدولية وسياسة المحافظين الجدد في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، فإن اللافت في تلك المرحلة هو الموقف التركي بعد وصول حزب العادلة والتنمية عام 2002، وهو حزب على المستوى الفكري والعقائدي نسخة معدلة عن التشكيلات الدينية التي تسير وفق سياق الأخوان المسلمين، ورفضت تركيا في تلك الفترة تقديم تسهيلات للاحتلال الأمريكي للعراق، وهذا الأمر يشكل سياقا إن صح التعبير، فالنموذج التركي كتعبير معاصر لـ"الإسلام السياسي" يمكن اعتباره نقطة عبور نحو صراع مختلف ليس على مستوى اختبار العلاقات الإقليمية بل أيضا لإعادة صياغة الصراعات بشكل مختلف، ورغم الموقف التركي البارز، ونحن نتعامل معه هنا على انه سياق لإسلام سياسي متجدد، لم يأخذ موقعه الحقيقي إلا بعد 2006، أي مع نهاية اختبار تليين المواقف من خلال العمل العنيف بعد حرب "إسرائيل" مع حزب الله الذي مثل محورا إقليميا.

   كيف يمكن لنظر إلى حزب العدالة والتنمية في إطار "الإسلام السياسي"؟ منذ عام 2006 كانت سياسته تحاول اتخاذ موقفا يوازي حجم الصدام الذي حدث في إطار الصراع بين حزب الله و "إسرائيل"، وفي نفس السياق قدم نفسه كنموذج لسياسة إقليمية منبثقة عن "حزب بإيديلوجية دينية" لكنه قادر على الانسجام مع سياق السياسة الدولية، والمسألة لم تكن تحضيرا لدور إقليمي، فهي في عمقها طموح لاستيعاب التناقضات التي برزت عبر ثلاث عقود وكان عنوانها الأساسي بروز العامل الديني على حساب أي عامل اجتماعي آخر، وبغض النظر عن طبيعة "احتجاجات الربيع العربي"، لكنها قدمت وبشكل سريع فرصة للتعبير عن "النموذج التركي" الذي يمكن ينهي عقود من الصراعات داخل المنطقة على أساس "إسلام" منسجم مع ذاته ومع طبيعة التوازن الدولي.

   كانت المشكلة الأساسية التي برزت هي في نوعية المشروع الإقليمي، فإذا كان الإسلام السياسي قادرا ضمن دولة بظروف خاصة (تركيا تحديدا) قادرا على صياغة معادلة داخلية، لكنه لم يكن قادرا على المستوى الإقليمي من استيعاب التناقض الدائم ما بين ثبات "فقه الجهاد" والتأقلم مع الواقع الدولي بشكل عام، ففكرة الإسلام المعتدل التي بقيت مسيطرة كثقافة اجتماعية يتم الترويج لها داخل النظم السياسية ظهرت في تركيا بشكل مختلف، فهي نموذج سياسي انتقل سريعا نحو تونس مصر، وبانجاه "مشروع عنيف" في سورية، لكنه وأمام عصبية إيجاد "محور واحد" واجه أمرين:

–       الأول هو مرجعية "الإسلام كدولة" في العصر الحديث والمحصورة ضمن المملكة العربية السعودية، وهذا الأمر معروف تاريخيا من خلال صراع الأخوان المسلمين مع مركزية الرياض، وهذا الأمر أثر مباشرة على معظم التشكيلات الإسلامية وعلى الأخص تلك الموجودة في سورية التي وقعت ضحية هذا التناقض.

–       الثاني القدرة على خلق عصبية واحدة ضمن واقع تاريخي لا يحمل الكثير من إرث التشابك مع تركيا بما تمثله الحالة الإسلامية لديها من صورة عثمانية.

  عمليا انطلق المشروع منذ الحدث التونسي نحو خلق انسجام في نموذح "الإسلام السياسي" كي يصارع "الإرهاب والتطرف" ويخلق شرقا أوسط مرنا، وانتهي باخفاق في مصر وتونس وليبيا مع ظهور صراع عنيف على مستوى كافة تلك الدول، لكن في نفس الوقت وكما في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي فإن عامل "الإسلام السياسي" كان مفصل التحول، فالشرق الأوسط المرن أصبح موجودا بالفعل، وانتفت الدول المحورية، وهو في المقابل وعلى المستوى الاجتماعي انتج تناقضا جديدا لم يعد ممكنا فيه الصراع الفكري الذي تآلفنا معه في عصر النهضة، فانتهى باتجاه تموج سياسي جديد سينتج بالتأكيد جيلا مختلفا من منظري "الجهاد" ولكن وفق سياق مختلف.

 

 

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.