معهد ليفانت للدراسات

أرباح داعش وخسائر العراق

نوفمبر 05
09:29 2014

وفّرت سيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مساحات شاسعة من العراق منذ العاشر من حزيران (يونيو) الماضي، ثلاثة مصادر تمويل استراتيجية لها هي القمح والنفط والمصارف، ما جعلها من أغنى المنظمات الإرهابية في العالم، على حساب الشعب العراقي الذي كان ولا يزال ضحية العمليات العسكرية.

 

 

ففي مجال القمح، سيطرت «داعش» حتى الآن على جزء كبير من إمداداته، وتقدر الأمم المتحدة أن الأراضي الواقعة تحت سيطرتها تنتج نحو 40 في المئة من المحصول السنوي للعراق من القمح، وهو من أهم المواد الغذائية إلى جانب الرز والشعير، وبدأت «الدولة المسلحة» باستخدام الحبوب لدعم موارد تمويلها. ولهذه الغاية أبقت في شمال العراق، «سلة خبز» العراقيين، على موظفي الحكومة الرسميين وعمال صوامع القمح في أماكنهم لمساعدتها على إدارة «غلالها»، إضافة إلى فرض ضرائب على التجار.

 

 

أما بالنسبة لسيطرة «داعش» على بعض مناطق النفط ومصافي التكرير، فقد وفر لها ذلك مبلغاً لا يقل عن ثلاثة ملايين دولار يومياً، نتيجة تكرير بين 60 و100 ألف برميل يومياً وبيعها.

 

 

ونأتي إلى المصدر الاستراتيجي الثالث الذي تستفيد منه «داعش»، وهو المصارف حيث استولت منذ بداية عملياتها العسكرية في الموصل، على أموال البنك المركزي وبعض المصارف الحكومية والتجارية بما يقدر بنحو 450 مليون دولار، حتى أن لجنة المال النيابية في بغداد حذرت من تعرض بعض المصارف الموجودة في المناطق التي تخضع لسيطرة «داعش» إلى الإفلاس نتيجة نهب فروعها، خصوصاً في محافظات الموصل والأنبار وصلاح الدين، فضلاً عن تراجع الحركة التجارية والنشاط المصرفي، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من الموظفين لم يتمكن من الوصول إلى مراكز عمله خوفاً من أخطار الاضطرابات الأمنية.

 

 

وحيال هذه التطورات، أصدر البنك المركزي العراقي مذكرة تقضي بتخويل إدارات المصارف تقدير الموقف لجهة إقفال فروعها أو إبقائها مفتوحة، في ضوء الأخطار الأمنية التي تتعرض لها، وتنفيذاً لذلك اضطر عدد من المصارف في المناطق الساخنة إلى الإقفال.

 

 

وحذر خبراء اقتصاديون من خسائر فادحة للقطاع المصرفي خصوصاً بعدما نزح معظم الزبائن الذين رفضوا دفع المبالغ المستحقة عليهم، وعدم قدرتهم على تسديد ديونهم، ما ينذر بالخطر جراء تردي الوضع الأمني وعدم قدرة المصارف على ملاحقة المتخلفين عن الدفع، ما يهدد عدداً منها بالإفلاس، مع الإشارة إلى أن هذه الديون ليست فقط متعثرة بل تجاوزت ذلك إلى وضع «غير قابل للدفع»، ويطالب خبراء البنك المركزي بوضع خطة إنقاذ شاملة ليس فقط للقطاع المصرفي بل لمختلف قطاعات الاقتصاد العراقي.

 

 

أثبتت السنوات العشر الماضية قدرة العراقيين على التكيف مع التطورات. ومع خروج العراق من البند السابع للأمم المتحدة والذي خضع له أكثر من 23 سنة بعد غزوه الكويت، بدأ يتطلع إلى جذب استثمارات لتنفيذ 740 مشروعاً بـ32 بليون دولار، ضمن خريطة استثمارية على مرحلتين، مدة كل منها خمس سنوات، وتضم عدداً من المشاريع النفطية والكهربائية، حتى أن بعض الشركات كان بدأ بإرسال مهندسين وعمال إلى المواقع العراقية.

 

 

وجاءت تلك المشاريع في إطار الخطة الوطنية للتنمية، والتي تشمل مشاريع بنحو 357 بليون دولار، في قطاعات الصناعة والطاقة والاستثمار والإسكان والزراعة والموارد المائية والتعليم والنقل، وهي موزعة بنسبة 79 في المئة للاستثمارات الحكومية، والبقية للاستثمار الخاص.

 

 

وعلى رغم استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، بلغ عدد الشركات الأجنبية المسجلة في وزارة التجارة 412 شركة عام 2013، وتراوحت بين فروع ومكاتب تمثيل للشركات العربية والعالمية.

 

 

وهكذا، أنهى العراق عام 2013 بمعدل نمو اقتصادي قياسي بلغ نحو 9 في المئة وفق تقرير لصندوق النقد، ويعود ذلك بالطبع إلى إنتاجه النفطي الذي سجل 3 ملايين برميل يومياً، ووضع موازنته للعام الحالي البالغة 150 بليون دولار، وهي الأعلى في تاريخه، وتستند بنسبة 93 في المئة على إيرادات النفط، على أساس احتساب 90 دولاراً لسعر البرميل وإنتاج 3.4 مليون برميل يومياً.

 

 

ومن أجل تمويل الخطط الوطنية للتنمية، خطط العراق لزيادة إنتاجه من النفط تدريجاً ليصل إلى تسعة ملايين برميل يومياً في 2020. لكن يبدو أن العمليات العسكرية واحتدام المعارك البرية والقصف الجوي، وخصوصاً في مناطق قريبة من آبار النفط في الموصل وكركوك، أدت إلى خفض الإنتاج، والاعتماد على نفط الجنوب في منطقة البصرة. وتفيد بيانات الشحن بأن صادرات مرافئ هذه المنطقة بلغت 2.58 مليون برميل يومياً في المتوسط خلال أيلول (سبتمبر) الماضي، متجاوزة معدل صادرات آب (أغسطس) والبالغة 2.38 مليون برميل يومياً. ويذكر أن إمدادات النفط العراقية تأثرت لعقود بالحرب والعقوبات.

 

 

وكشفت حكومة إقليم كردستان عن تراجع كبير في معدلات الاستثمار بنسبة 70 في المئة، بسبب الحرب، وسجل الإقليم خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، استثمارات بلغت 4.2 بليون دولار، مقارنة بأكثر من 12.4 بليون في 2013، مع الإشارة إلى أن الإقليم استقطب منذ عام 2006 استثمارات وطنية وأجنبية قيمتها 41.8 بليون دولار.

 

 

طبيعي أن يؤدي تراجع إنتاج النفط وتصديره، إلى مضاعفة العجز المالي للموازنة والبالغ نحو 23 بليون دولار. وتشير مصادر حكومية عراقية إلى ضغط كبير تواجهه نتيجة ارتفاع النفقات، ويتوقع تقرير «المركز العالمي للدراسات التنموية» (مقره لندن)، ارتفاع عجز الموازنة إلى حد لا تستطيع الدولة معه دفع أجور موظفيها أو التزاماتها تجاه مواطنيها، ما قد يضطرها لاستخدام جزء من احتياط البنك المركزي العراقي البالغ 80 بليون دولار.

الحياة – عدنان كريمة
3-11-2014

تقارير ذات صلة