معهد ليفانت للدراسات

أدوار متبدّلة للمجتمع الأهلي في بناء السلام في سورية

أدوار متبدّلة للمجتمع الأهلي في بناء السلام في سورية
أبريل 25
23:06 2016

اتخذت الأزمة السورية أشكالاً وطوابع عديدة، عبّرت من خلالها عن مشاكل ومكبوتات لم يتوقع السورييون أن تصادفهم أو أن تعرقل مسير حياتهم . الشرخ الأكبر الذي تعرّضوا له هو فقدان التواصل مع الآخر في الفكر وغياب السلام والمصالحة، حيث تحولت ساحات النقاش لساحات اقتتال، انتشر أذاها وشرّها في في كل مكان من سورية بغضّ النظر عن اصطفافاته . و التغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية قد فرضت بطبيعة الحال تغيرات مجتمعية جذريّة ، كان لا بد للمواطن السوري أن يمر بها.

 

فيما كان يسود قبل بدء النزاع في سورية سلامٌ حذر يقول عنه مراقبون أنّه سطحي ظاهري، ويسود تعاملٌ فيه شيء من تجاهل اختلاف الآخر أو حتى تجاهل وجوده ، ظهرت الآن إلى السطح المشاكل الحقيقيّة في تقبل الآخر وعقائده وأفكاره.

هذا التغيّر أو "الوضوح" أدّى لانقسامات عميقة سياسياً ودينياً وفكرياً واجتماعياً، وذهب الجميع لتقديس الخلاف لا الاختلاف، و عزز ذلك جهودُ بعض المؤسسات المجتمعية والدينية التي استغلت الوضع الحالي متطرّقة إلى مواضيع تثير بغض الآخر والخوف منه.
 

ويأتي السؤال هنا كيف لعب المجتمع الاهلي في سورية أدواراً ايجابية في بناء السلام ؟

المجتمع الأهلي ونعني به هُنا كل الجمعيات المؤسسات والمبادرات والمشاريع التنموية والتطوعيّة والتي بدأت اليوم تأخذ أشكال أكثر تنظيماً وتحوّلاً باتجاه مجتمع مدني , عمل منذ بداية الأزمة حيث توجّه في مشاريعه إلى الأعمال الإغاثية والمشاريع التي تسد حاجات الغذاء والصحّة، ومن ثمّ فيما بعد حاجات التعليم. لكن ومع استمرار سنوات النزاع التفتت الجمعيات والمبادرات الأهلية إلى الشروع في تأسيس مشاريع تقوم على بناء المصالحة والسلام مع الآخر، في محاولة لتقليل الهوّة بين السوري والآخر.

 

يمكن تقسيم هذه المشاريع والمبادرات إلى نوعين، الأول يستهدف المجتمع في المناطق الآمنة وإن كان من المتاح مشاركة الجميع من المجتمع الأصلي والنازحين في هذه المشاريع والاستفادة منها ، حيث قامت الأمانة السورية للتنمية في بداية الأزمة في ال 2012 من خلال برنامجها "شباب" بإطلاق مشروع "دردشات" و نفذت 27 جلسة حوار في خمس محافظات سوريّة (دمشق، حلب، اللاذقية، الرقة، دير الزور، حمص)، لمناقشة القضايا التي تؤثر على حياة الشباب وعلى مجتمعهم من خلال مواضيع مختلفة، وإمكانية لعب دور فعّال في تطوير سورية من خلال مبادرات يؤسسها وينشط من خلالها الشباب بهدف استثمار طاقاتهم وتعزيز دورهم في المجتمع.

 

كما عملت مبادرات أخرى على دمج بعض الفئات المهمشة بالمجتمع السوري، في محاولة لجعل المجتمع يتقبلها، حيث عملت مبادرة "سيار" على "أطفال الشوارع" وهم الأطفال المشردين المنتشرين على اشارات المرور والأرصفة وقامت بتنظيم البعض منهم في صفوف تعليميّة بسيطة واقامة نشاطات لزرع بعض القيم والأخلاقيات والتوعية و انشطة أخرى صحيّة واغاثيّة، وترى سيّار كما يقول القائمين عليها أنّها تقدم دوراً هامّاً انسانيّاً لاعادة هؤلاء الأطفال لمكانهم الطبيعي ودمجهم بالمجتمع .  
 

مبادرات أخرى قامت على بناء المصالحة مع الآخر من خلال الفكر والنشاطات الفكرية، مثل "ملتقى سوريات يصنعن السلام" واحدٌ من هذه الفعاليات التي جاهدت لتطفو على سطح الحرب، وتترفَّع عن ألم الوجع، وتعمل مع نساء سورية على كافة الأصعدة؛ إعلامياً، اجتماعياً، سياسياً واقتصادياً و من أجل إيصال صوت السوريين إلى كل العالم  حسب ما قالته مسؤولة العلاقات العامة في الملتقى والذي تفرّع عنه عدّة أنشطة فنية ومجتمعية تهدف إلى تفعيل دور المرأة في عملية بناء السلام.

وفي الشأن ذاته قامت مبادرات عدّة بزرع بذور تقبّل الآخر من خلال الكتب والقراءة، كمبادرة "معاً نقرأ" التي تقوم بتنفيذ نقاشات عامّة لكتب تُطرح فيها أفكار عن الحروب والأزمات المجتمعيّة والصعوبات في التوفيق بين الاختلافات ، وبالطبع تنتشر الكثير من المبادرات الشبيهة في عدّة محافظات ومدن سوريّة .

ظهر أيضاً دور المنظمات الدوليّة في دعم المبادرات التي تقوم على تعزيز السلام وتقبّل الآخر، من خلال تقديم التمويل والتسهيلات لهذه المبادرات، حيث قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 2016  بدعم مبادرة "عدسة سلام" التي تقوم على تدريب شباب سوريين لكتابة نص وسيناريو وإخراج أفلام وثائقية قصيرة تسجّل وتصوّر المشاكل الاجتماعيّة في محافظتين سوريتين ومن ثم بيع الفيلمين المنفذين ليعود ريعهما على الأسر السوريّة المتضررة.

 

ومن خلال دور الحكومة في تفعيل عمل المجتمع في هذا الشأن، أقامت وزارة الشؤون الاجتماعية في بداية عام 2014 مؤتمراً حول دور المرأة السورية في إنهاء الحرب وإحلال السلام، محاولة فيه دمج عمل الوزارات المعنيّة والمجتمع الأهلي في تعميق مفهوم السلام كما تقدّمت الحكومة بخطوات كثيرة وان كانت عشوائية في سبيل تجميع هذه الجهود وتوحيدها .

 

أمّا النوع الثاني من مبادرات السلام والمصالحة مع الآخر، هي الموجّهة للنازحين من محافظات أخرى ويقيمون في مراكز "الايواء"، فقد تمّ تنفيذ عدّة مشاريع ومبادرات تهتم بالطفل واليافع للتركيز على مفهوم احترام وتقبّل الآخر، حيث نظّمت "مديرية التأهيل والتدريب في دمشق" برنامجاً تدريبياً توعوياً للأطفال في مراكز الإيواء، ارتكز في عدة جوانب على التأكيد على مبدأ احترام الآخر وضرورة التعايش السلمي بين جميع شرائح وأطياف المجتمع السوري.

 

وفي ذات السياق أقيم مشروع موسيقا من أجل السلام الذي تقوم به عدّة جهات في مراكز إيواء ضمن دمشق وريفها، حيث يؤكد القائمون على المشروع أنّ للموسيقا قدرة على جعل الأطفال يفكّرون بطريقة إيجابية ويتطرقون للمشكلات التي تعرضوا ويتعرضون لها بشكل أفضل معتبرين الموسيقا ملاذاً لهم.

 

كلّ ما ذكر من بعض المبادرات والمشاريع لايعدو كونه جزءاً بسيطاً جدّاَ من مئات المبادرات الفاعلة التي استهدفت مدّ الجسور المجتمعية والتي وإن لم تكن تحت أسماء تدعو للسلام فإنها تساهم وبشكل كبير في دفع عملية السلم الأهلي والبناء المجتمعي في سورية من خلال الاعتماديّة التي تحققها بين مختلف الطبقات والشرائح ولايغيب عن الذكر كثير من البرامج حول المواطنة وتعزيز السلام الممولة من جهات دوليّة والتي بدأت تثمر كثيراً من المبادرات المختلفة والمشاريع على امتداد المناطق تحت سيطرة الحكومة السورية , فيما تعيش المناطق الأخرى أهوال الحرب بكل تفاصيلها مع انفتاح تام على التمويل الدولي للمشاريع وربما تقييد في بعض المناطق لعمل الناشطيين ما يضيّق الخيارات أمام الحاجات المتزايدة للسوريين في كل مكان .
 

قد يكون غياب تقبّل الاختلاف بين السوريين سبباً أساسياً في نشوء الأزمة السوريّة وعاملاً كبيراً في استمرارها لسنوات عدّة، ولعلّ توجّه المجتمع الأهلي اليوم لتعزيز قيم المواطنة وتقبّل الآخر وبناء السلام معه خطوة أساسيّة في طريق الخلاص من النزاعات الاجتماعيّة الأخرى المتداخلة والتي بحسب خبراء ربما تحتاج لسنوات طويلة من عمليات البناء والتطوّر للوصول إلى مجتمع مدني حقيقي يمارس دوره الفعّال في عملية التنمية على مستوى الدولة .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة