معهد ليفانت للدراسات

أحداث الأقصى الأخيرة.. من المنتصر ؟

أحداث الأقصى الأخيرة.. من المنتصر ؟
أغسطس 17
08:37 2017

بدأت الأحداث في ساعات مبكرة من صباح يوم الجمعة 14 تموز عندما فتح ثلاثة شبان فلسطينيين النار على الشرطة الإسرائيلية في باب الأسباط وهو أحد أبواب القدس القديمة، فقتلوا اثنين من عناصرها وأصابوا آخر.. عناصر الشرطة لاحقوا الشبان الثلاثة الذين لاذوا بالفرار صوب المسجد الأقصى، حيث قتلوهم في باحاته، لكن القصة لم تنته هنا.
 

إثر الهجوم، اتخذت السلطات الإسرائيلية تدابير عقابية، شملت إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين واعتباره منطقة عسكرية، ومنعت إقامة صلاة الجمعة في الحرم القدسي للمرة الأولى منذ 50 عاماً، واحتجزت عدداً من حراس المسجد التابعين للأوقاف الإسلامية وصادرت هواتفهم الجوالة، واعتقلت مفتي القدس وفطيب الأقصى، وضربت حصاراً عسكرياً على البلدة القديمة، ما اضطر المصلين لإقامة صلاة الجمعة على مداخل البلدة القديمة.
 

الرئيس الفلسطيني محمود عباس أجرى على الفور اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أدان فيه ما جرى في الأقصى، محذراً من تداعيات استمرار إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، كما أجرى عباس اتصالات مع السلطات الأردنية لإلغاء هذه الإجراءات الإسرائيلية، لكونها تشرف على إدارة المسجد الأقصى وفقاً لاتفاقية وادي عربة عام 1994
.

بدوره طالب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في اتصال هاتفي مع بنيامين نتانياهو بإعادة فتح المسجد الأقصى، واندلعت احتجاجات داخل فلسطين وخارجها في المحيط العربي تطالب بإعادة فتح المسجد، وعلى إثر الضغوط أعلن نتانياهو في بيان مساء اليوم التالي أن باحة المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة سيُعاد فتحها الأحد.
 

لكن نتنياهو قرر وضع أجهزة كشف المعادن في مداخل المسجد الأقصى، ونصب كاميرات خارج الحرم، لمراقبة ما يدور فيه، وكانت مسارعة الشرطة الإسرائيلية إلى تثبيت بوابات فحص إلكترونية على المداخل الخارجية لبوابتي الأسباط والمجلس يوم السبت، وتوسعها لتشمل باب السلسلة في الجدار الغربي للمسجد، قد فجّرت غضباً فلسطينياً جديداً، وبينما أصرت الشرطة على وجوب مرور المصلين من خلال هذه البوابات، رد المصلون بالإصرار على تمسكهم بالدخول إلى المسجد دون قيود، وجاء الرد الفلسطيني برفض هذه البوابات سريعاً.
 

حدة التوترات ازدادت مع مرابطة مئات الفلسطينيين أمام بوابات المسجد الاقصى وحدثت صدامات مع جنود الجيش الاسرائيلي لمحاولة الجيش تفريق المتظاهرين، وأعلن في الأراضي الفلسطينية النفير العام وإغلاق لجميع مساجد القدس وما حولها والتوجة إلى المسجد الأقصى وكسر القيود الإسرائيلية، وخرجت مظاهرات في مدن عربية وإسلامية عدة دعماً للفلسطينيين المرابطين في القدس.
 

بعد مضي أسبوعين رضخت حكومة نتنياهو لمطالب الفلسطينيين بإلغاء الإجراءات الأمنية في محيط الأقصى، فكّكت الشرطة الإسرائيلية الكاميرات والبوابات الإلكترونية، وفتحت بوابات المسجد، وصلّى الفلسطينيون في باحاته، وهو ما اعتبره كثير من المراقيبن انتصاراً للمقدسيين على إسرائيل، وفيما حاولت السعودية نسب الإنجاز الفلسطيني لها، شكك المتابعون والمهتمون بالتصريحات السعودية، واعتبروا أن الهبّة المقدسية وحدها من جعلت إسرائيل تذعن وتتراجع.
 

"الديوان الملكي" السعودي، قال إن "خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان… أجرى خلال الأيام الماضية الاتصالات اللازمة بالعديد من زعماء دول العالم… وحكومة الولايات المتحدة لبذل مساعيهم لعدم إغلاق المسجد الأقصى، وهذه الجهود تكللت بالنجاح"، أما المملكة الأردنية، فنسبت الانتصار إلى جهود عبدالله الثاني، واتفاقه مع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، على إطلاق سراح طاقم السفارة الإسرائيلية في عمان، مقابل نزع البوابات الإلكترونية، وذلك بعد قتل حارس في السفارة مواطنين أردنيين، بدورها، لحقت السلطة الفلسطينية أيضاً بالركب، معلنة قطع الاتصالات مع حكومة العدو ووقف التنسيق الأمني، إذ استفاد رئيس السلطة محمود عباس، من هذه الخطوة، ما رفع رصيده في الشارع، أما "تلفزيون فلسطين" القناة الرسمية، ففتح الهواء لبث الأناشيد الثورية، في خطوة لم تحدث حتى خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام ٢٠١٤
.

وعملياً، مثّل تراجع حكومة نتنياهو عن الإجراءات التي اتخذت في الأقصى وباحاته فشلاً وفق المنظور الإسرائيلي، إذ عبّر عن ذلك رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، الذي رأى أن "إسرائيل خرجت ضعيفة من هذه الأزمة، وبدلاً من أن نعزز سيادتنا في القدس، أظهرت الأحداث الأخيرة أن بالإمكان تقويض هذه السيادة"، أما وزير الأمن الإسرائيلي السابق، موشيه يعلون، فهاجم في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نتنياهو، محملاً الأخير المسؤولية عن جميع القرارات التي اتخذت بشأن الأقصى. ورأى يعلون أن ما حدث سبب ضرراً كبيراً لإسرائيل.
 

لاشك أن أحداث الأقصى الأخيرة مثّلت منعطفاً جديداً في القضية الفلسطينية التي وضعت المنطقة في حالة حرب منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948، ووضعت إسرائيل في موقف ضعيف من جديد ضمن سلسلة انكسارات تتعرض لها منذ خروج جنودها من لبنان عام 2000 هائمين على وجوههم، وما تلاها من أحداث، تؤكد أن القوة الإسرائيلية التي طالما اعتدت بها تتآكل، وهي اليوم ليست في وضع لا تحسد عليه.   

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة